فهرس الكتاب
ج / 1 ص -276- فَرْعٌ: إذَا مَسَحَ أَحَدَ خُفَّيْهِ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ الْآخَرَ فِي السَّفَرِ فَهَلْ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ أَمْ مُسَافِرٍ فِيهِ وَجْهَانِ أحدهما: مَسْحَ مُسَافِرٍ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ قَالَ الْقَاضِي: وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى سَافَرَ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ مَسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مَسْحَ مُقِيمٍ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ تَلَبَّسَ بِالْعِبَادَةِ فِي الْحَضَرِ وَاجْتَمَعَ فِيهَا الْحَضَرُ وَالسَّفَرُ، فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْأَصْحَابُ فِي أَصْلِ الْمسألة:كَمَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى:"وَإِنْ 1مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، وَقَالَ الْمُزَنِيّ: إنْ مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَمْسَحُ ثُلُثَ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ وَهُوَ ثُلُثَا يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ مَسَحَ ثُمَّ أَقَامَ فِي الْحَالِ مَسَحَ ثُلُثَ مَا بَقِيَ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَإِذَا بَقِيَ لَهُ يَوْمَانِ وَلَيْلَتَانِ وَجَبَ أَنْ يَمْسَحَ ثُلُثَهُمَا وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ تَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهَا السَّفَرُ وَالْحَضَرُ غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ وَلَمْ يُقَسَّطْ عَلَيْهِمَا كَالصَّلَاةِ"
الشرح: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رحمه الله الَّذِي لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَمَّمَهُمَا وَإِنْ كَانَ مَضَى يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَأَكْثَرُ فِي السَّفَرِ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ بِمُجَرَّدِ قُدُومِهِ وَحُكْمُ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ مَعْرُوفٌ، قَالَ أَصْحَابُنَا: فَإِنْ كَانَ مَسَحَ فِي سَفَرٍ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ قَدِمَ فصل:وَاتُهُ فِي السَّفَرِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ بِالْقُدُومِ. قَالُوا: وَلَوْ قَدِمَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي السَّفَرِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِمُجَرَّدِ الْقُدُومِ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ يُبْطِلُهَا فَإِنَّهُ يُوجِبُ غَسْلَ الْقَدَمَيْنِ أَوْ كَمَالَ الْوُضُوءِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه فِي"الأم"وَالْأَصْحَابُ: وَلَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّهَا لَمْ تَبْطُلْ، وَدَلِيلُ أَصْلِ الْمسألة:هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ اجْتِمَاعُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، هَذَا عُمْدَةُ الْأَصْحَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ فَذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ. قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ: ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ فِي مَسَائِلِهِ الْمُعْتَبَرَةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ: قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ فِي التَّوَسُّطِ بَيْنَ الشَّافِعِيِّ وَالْمُزَنِيِّ: إنْ كَانَ الْمُزَنِيّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْقِيَاسَ هَذَا وَلَكِنْ تُرِكَ لِلْإِجْمَاعِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ كَبِيرُ خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّهُ يُحْكَمُ بِهَذَا فَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ تَصْرِيحٌ بِانْعِقَادِ"الإجماع"عَلَى خِلَافِ قَوْلِ الْمُزَنِيِّ فَيَكُونُ دَلِيلًا آخَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَابِطُ مَذْهَبِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يَمْسَحُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُقَالُ: بَقِيَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَبَقِيَ بِفَتْحِهَا فَالْفَتْحُ لُغَةُ طَيِّئٍ، وَالْكَسْرُ هُوَ الْأَفْصَحُ الْأَشْهَرُ، وَهُوَ لُغَةُ سَائِرِ الْعَرَبِ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا} [البقرة:278] . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ:"يَغْلِبُ حُكْمُ الْحَضَرِ وَلَا يُقَسَّطُ عَلَيْهِمَا كَالصَّلَاةِ"يَعْنِي لِمَنْ صَلَّى فِي سَفِينَةٍ فِي السَّفَرِ فَدَخَلَتْ دَارَ الْإِقَامَةِ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِ"الإجماع"وَلَا يُوَزِّعُ، فَيُقَالُ: يُتِمُّهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَنَقَضَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 في نسخة الركبي ( وإن أحدث في السفر ومسخ ثم أقام ) (ط)