فهرس الكتاب
ج / 2 ص -55- المسألة الثالثة: إذا علم أنه جرى منه بعد طلوع الشمس طهارة وحدث لا يعلم أسبقهما ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه بضد ما كان قبل طلوع الشمس ودليله ما ذكره المصنف وهذا الوجه هو قول أبي العباس بن القاص ذكره في باب المسح على الخف من كتابه"التلخيص"، وبه قطع المصنف هنا وفي"التنبيه"، وهكذا قطع به جمهور المصنفين فعلى هذا لو لم يعرف ما كان قبلهما لزمه الوضوء، صرح به الدارمي والمتولي وغيرهما؛ لأنهما تعارضا، وما قبلهما لا يعرف، ولا بد من طهارة متيقنة أو مظنونة أو مستصحبة وليس هنا شيء فوجب الوضوء.
والوجه الثاني: أنه يتعارض الأمران ويسقطان ويكون حكمه ما كان قبلهما فإن كان قبل طلوع الشمس متطهرا فهو الآن متطهر وإلا فمحدث، وهذا الوجه حكاه جماعات من الخراسانيين وحكاه الدارمي وغيره عن ابن المرزبان.
قال الدارمي وغيره - ورجع عنه ابن المرزبان إلى قول ابن القاص حين بلغه، وهذا الوجه غلط لا شك فيه؛ لأنا علمنا بطلان ما قبلهما قطعا، فكيف نحكم ببقائه ونعمل بمقتضاه.
والوجه الثالث: يعمل بما يظنه، فإن تساويا فمحدث، وهذا الوجه اختاره الدارمي في"الاستذكار".
والوجه الرابع: يلزمه الوضوء بكل حال وهذا هو الأظهر المختار حكاه القاضي أبو الطيب في"تعليقه"، وابن الصباغ والمتولي والروياني والشاشي وآخرون، قال القاضي أبو الطيب: هو قول عامة أصحابنا، وأشار ابن الصباغ إلى ترجيحه واختاره الدارمي في كتابه"الاستذكار"وغيره ورجحه غيره، ودليله أن الطهارة والحدث - بعد طلوع الشمس - تعارضا فليس أحدهما أولى من الآخر وما قبلهما تحققنا بطلانه ولا بد من طهارة معلومة أو مظنونة أو مستصحبة فوجب الوضوء، ثم إن الجمهور أطلقوا المسألة، وقال المتولي والرافعي: صورتهما فيمن عادته تجديد الوضوء، فأما من لم يعتده فالظاهر أن طهارته تكون بعد الحدث فيكون الآن متطهرا وتباح له الصلاة والله أعلم.
وأما قول المصنف: لا يزال اليقين بالشك فمعناه حكم اليقين، وقد سبق بيان هذه العبارة في باب الشك في نجاسة الماء. وقوله"الآن"هو الزمان الحاضر وأما قياسه على مسألة البراءة من الدين، فكذا قاسه أصحابنا لكن صورها المتولي تصويرا حسنا مشابها لمسألة الحدث، وقال: استشهد أصحابنا، فقالوا: لو علمنا لزيد على عمرو ألف درهم فأقام عمرو بينة بالأداء أو الإبراء فأقام زيد بينة أن عمرا أقر له بألف درهم مطلقا لم يثبت بهذه البينة شيء لاحتمال أن الألف الذي أقر به هي الألف الذي علمنا وجوبه وقامت البينة ببراءته منه ولا تشغل ذمته بالاحتمال ولهذه المسألة فروع، وتتمات سبق بيانها، في آخر باب الشك في نجاسة الماء، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:"ومن أحدث حرمت عليه الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يقبل الله صلاة بغير طهور". ويحرم عليه الطواف، لقوله صلى الله عليه وسلم:"الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه