فهرس الكتاب
ج / 1 ص -72- إلَى الْمَحْقِ1 وَالِاسْتِغْلَاقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِنَاؤُهُ مِنْ التَّصْنِيفِ بِمَا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ أَكْثَرَ. وَالْمُرَادُ بِهَذَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُصَنَّفٌ يُغْنِي عَنْ مُصَنَّفِهِ فِي جَمِيعِ أَسَالِيبِهِ، فَإِنْ أَغْنَى عَنْهُ بَعْضُهَا فَلْيُصَنِّفْ مِنْ جِنْسِهِ مَا يَزِيدُ زِيَادَاتٍ يُحْتَفَلُ بِهَا، مَعَ ضَمِّ مَا فَاتَهُ مِنْ الْأَسَالِيبِ. وَلْيَكُنْ تَصْنِيفُهُ فِيمَا يَعُمُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَيَكْثُرُ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ، وَلْيَعْتَنِ بِعِلْمِ الْمَذْهَبِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَنْوَاعِ نَفْعًا، وَبِهِ يَتَسَلَّطُ الْمُتَمَكِّنُ عَلَى الْمُعْظَمِ مِنْ بَاقِي الْعُلُومِ
وَمِنْ آدَابِهِ وَآدَابِ تَعْلِيمِهِ: اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيمَ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي بِهِ قِوَامُ الدِّينِ، وَبِهِ يُؤْمَنُ إمْحَاقُ الْعِلْمِ، فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الدِّينِ، وَأَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ، وَآكَدِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] وَقَالَ تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا} [البقرة: 159] الْآيَةُ. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ طُرُقٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ"وَالْأَحَادِيثُ بِمَعْنَاهُ كَثِيرَةٌ، وَ"الإجماع"مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ.
وَيَجِبُ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يَقْصِدَ بِتَعْلِيمِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى لِمَا سَبَقَ، وَأَلَّا يَجْعَلَهُ وَسِيلَةً إلَى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، فَيَسْتَحْضِرُ الْمُعَلِّمُ فِي ذِهْنِهِ كَوْنَ التَّعْلِيمِ آكَدَ الْعِبَادَاتِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ حَاثًّا لَهُ عَلَى تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، وَمُحَرِّضًا لَهُ. عَلَى صِيَانَتِهِ مِنْ مُكَدَّرَاتِهِ وَمِنْ مَكْرُوهَاتِهِ، مَخَافَةَ فَوَاتِ هَذَا الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وَالْخَيْرِ الْجَسِيمِ. قَالُوا: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِنْ تَعْلِيمِ أَحَدٍ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صَحِيحِ النِّيَّةِ، فَإِنَّهُ يُرْجَى لَهُ حُسْنُ النِّيَّةِ، وَرُبَّمَا عَسُرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُبْتَدِئِينَ بِالِاشْتِغَالِ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ، وَقِلَّةِ أُنْسِهِمْ بِمُوجِبَاتِ تَصْحِيحِ النِّيَّةِ، فَالِامْتِنَاعُ مِنْ تَعْلِيمِهِمْ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِ كَثِيرٍ مِنْ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّهُ يُرْجَى بِبَرَكَةِ الْعِلْمِ تَصْحِيحُهُ إذَا أَنِسَ بِالْعِلْمِ.
وَقَدْ قَالُوا: طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ، مَعْنَاهُ كَانَتْ عَاقِبَتُهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 محقا محقا من باب نفع نقصه وأذهب بركته أو أذهب الأمر كله ومحاه فلم يبق أثرا له ومنه قوله تعالى: {يمحق الله الربا}