فهرس الكتاب
ج / 1 ص -73- أَنْ صَارَ لِلَّهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُتَعَلِّمَ عَلَى التَّدْرِيجِ بِالْآدَابِ السُّنِّيَّةِ، وَالشِّيَمِ الْمُرْضِيَةِ، وَرِيَاضَةِ نَفْسِهِ بِالْآدَابِ وَالدَّقَائِقِ الْخَفِيَّةِ، وَتَعَوُّدِهِ الصِّيَانَةَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ الْكَامِنَةِ وَالْجَلِيَّةِ.
فَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ يُحَرِّضَهُ بِأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمُتَكَرِّرَاتِ، عَلَى الْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ وَحُسْنِ النِّيَّاتِ، وَمُرَاقَبَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ اللَّحَظَاتِ، وَأَنْ يَكُونَ دَائِمًا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى الْمَمَاتِ، وَيُعَرِّفَهُ أَنَّ بِذَلِكَ تَنْفَتِحُ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الْمَعَارِفِ، وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ وَتَنْفَجِرُ مِنْ قَلْبِهِ يَنَابِيعُ الْحِكَمِ وَاللَّطَائِفِ، وَيُبَارَكُ لَهُ فِي حَالِهِ وَعِلْمِهِ، وَيُوَفَّقُ لِلْإِصَابَةِ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَحُكْمِهِ، وَيُزَهِّدَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيَصْرِفَهُ عَنْ التَّعَلُّقِ بِهَا، وَالرُّكُونِ إلَيْهَا، وَالِاغْتِرَارِ بِهَا، وَيُذَكِّرَهُ أَنَّهَا فَانِيَةٌ، وَالْآخِرَةُ آتِيَةٌ بَاقِيَةٌ، وَالتَّأَهُّبُ لِلْبَاقِي، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْفَانِي. هُوَ طَرِيقُ الْحَازِمِينَ، وَدَأْبُ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَغِّبَهُ فِي الْعِلْمِ وَيُذَكِّرَهُ بِفَضَائِلِهِ وَفَضَائِلِ الْعُلَمَاءِ، وَأَنَّهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا رُتْبَةَ فِي الْوُجُوهِ أَعْلَى مِنْ هَذِهِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنُوَ عَلَيْهِ وَيَعْتَنِيَ بِمَصَالِحِهِ كَاعْتِنَائِهِ بِمَصَالِحِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَيُجْرِيَهُ مَجْرَى وَلَدِهِ فِي الشَّفَقَةِ عَلَيْهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى جَفَائِهِ وَسُوءِ أَدَبِهِ، وَيُعَزِّرَهُ فِي سُوءِ أَدَبٍ وَجَفْوَةٍ تَعْرُضُ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُعَرَّضٌ لِلنَّقَائِصِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحِبَّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنْ الْخَيْرِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُهُ لِنَفْسِهِ مِنْ الشَّرِّ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ:"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:"أَكْرَمُ النَّاسِ عَلَيَّ، جَلِيسِي الَّذِي يَتَخَطَّى النَّاسَ، حَتَّى يَجْلِسَ إلَيَّ، لَوْ اسْتَطَعْتُ أَلَّا يَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى وَجْهِهِ لَفَعَلْتُ"وَفِي رِوَايَةٍ:"إنَّ الذُّبَابَ يَقَعُ عَلَيْهِ فَيُؤْذِينِي"وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سَمْحًا يَبْذُلُ مَا حَصَّلَهُ مِنْ الْعِلْمِ سَهْلًا بِإِلْقَائِهِ إلَى مُبْتَغِيهِ، مُتَلَطِّفًا فِي إفَادَتِهِ طَالِبِيهِ، مَعَ رِفْقٍ وَنَصِيحَةٍ وَإِرْشَادٍ إلَى الْمُهِمَّاتِ وَتَحْرِيضٍ عَلَى حِفْظِ مَا يَبْذُلُهُ لَهُمْ مِنْ الْفَوَائِدِ النَّفِيسَاتِ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ شَيْئًا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ إذَا كَانَ