فهرس الكتاب
ج / 2 ص -184- يفرق في الثانية أجزأه ذلك التراب الذي بين الأصابع لما بينها. وقال قائلون منهم القفال: لا يصح تيممه، ثم قال الرافعي بعد هذا: صحح الأصحاب رواية المزني وهي المذهب هذا كلام الرافعي.
وإنما بسطت هذه المسألة وأطنبت فيها هذا الإطناب، وإن كان ما ذكرته مختصرا بالنسبة إليها لأني رأيت كثيرا من أكابر عصرنا ينتقضون صاحب المهذب والتنبيه بقوله:"يفرق في الضربة الأولى"وينسبونه إلى الشذوذ ومخالفة المذهب والأصحاب والدليل. وهذه أعجوبة من العجائب، وحاصلها اعتراف صاحبها بعظيم من الجهالة ونهاية من عدم الاطلاع وتسفيهه للأصحاب وكذبه عليهم، بل على الشافعي، فقد صح التفريق في الأولى عن الشافعي بنقل إمامين هما أجل أصحابه وأتقنهم باتفاق العلماء وهما"البويطي"والمزني، وصح التفريق أيضا عن جمهور الأصحاب، والله يرحمنا أجمعين.
وأما قول المصنف:"ويمسح بهما وجهه"فكذا عبارة الجمهور، وظاهرها أنه لا استحباب في البداءة بشيء من الوجه دون شيء. وقد صرح جماعة من أصحابنا باستحباب البداءة بأعلى الوجه. منهم المحاملي في"اللباب"والرافعي، وقال صاحب"الحاوي": مذهب الشافعي أنه يبتدئ بأعلى وجهه كالوضوء، قال: ومن أصحابنا من قال: يبدأ بأسفل وجهه ثم يستعلي لأن الماء في الوضوء إذا استعلي به انحدر بطبعه فعم جميع الوجه، والتراب لا يجري إلا بإمرار اليد فيبدأ بأسفله ليقل ما يصير على أعلاه من الغبار ليكون أجمل لوجهه وأسلم لعينه، والله أعلم.
وأما قوله:"ويوصل التراب إلى جميع البشرة الظاهرة من الوجه وإلى ما ظهر من الشعر"فأراد بالبشرة الظاهرة ما لا شعر عليه، واحترز به عن البشرة المستترة بالشعور. وقوله: وإلى ما ظهر من الشعر يعني الشعر الذي يجب غسله في الوضوء، كذا قاله أصحابنا، قالوا: وفي إيصال التراب إلى ظاهر ما خرج من اللحية عن الوجه القولان كالوضوء.
وأما قوله:"لا يجب إيصال التراب إلى ما تحت الحاجبين والشاربين والعذارين ومن أصحابنا من قال: يجب، والمذهب الأول"فكذا قاله أصحابنا، واتفقوا على أن الصحيح أنه لا يجب، وقطع به القاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي البغوي وآخرون، وادعى إمام الحرمين أنه لا خلاف فيه، ودليل الوجهين مذكور في الكتاب وقوله: الحاجبين والشاربين والعذارين تمثيل، والمراد الشعور التي يجب إيصال الماء إليها في الوضوء، وهي الثلاثة المذكورة والعنفقة ولحية المرأة والخنثى وأهداب العين وشعر الخدين سواء خفت أو كثفت، وكذا اللحية الخفيفة للرجل صرح به أصحابنا، وحكم الشعر على الذراع حكم شعر الوجه، حكي الخلاف فيه في فتاوى القاضي حسين وجزم القاضي البغوي بأنه لا يجب إيصال التراب إلى ما تحته، كما قالا في الوجه؛ قال القاضي: ولا يستحب إيصال التراب إلى البشرة التي تحت الشعر الكثيف التي يستحب إيصال الماء إليها والله أعلم.
وأما قوله: ثم يضرب ضربة أخرى فيضع بطون أصابع يده إلخ. فهذه الكيفية ذكرها الشافعي