فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 4102

ج / 1 ص -97- ثُمَّ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ عَلَى ذِهْنِهِ، بَلْ يَكْفِيهِ كَوْنُهُ حَافِظًا الْمُعْظَمَ، مُتَمَكِّنًا مِنْ إدْرَاكِ الْبَاقِي عَلَى قُرْبٍ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ الْحِسَابِ مَا يُصَحِّحُ بِهِ الْمَسَائِلَ الْحِسَابِيَّةَ الْفِقْهِيَّةَ ؟ حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو مَنْصُورٍ فِيهِ خِلَافًا لِأَصْحَابِنَا، وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُهُ، ثُمَّ إنَّمَا نَشْتَرِطُ اجْتِمَاعَ الْعُلُومِ الْمَذْكُورَةِ فِي مُفْتٍ مُطْلَقٍ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ. فَأَمَّا مُفْتٍ فِي بَابٍ خَاصٍّ كَالْمَنَاسِكِ وَالْفَرَائِضِ فَيَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْبَابِ، كَذَا قَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُهُ ابْنُ بَرْهَانٍ1 بِفَتْحِ الْبَاءِ وَغَيْرُهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ مُطْلَقًا وَأَجَازَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْفَرَائِضِ خَاصَّةً وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ مُطْلَقًا .

"الْقِسْمُ الثَّانِي"الْمُفْتِي الَّذِي لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ، وَمِنْ دَهْرٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُفْتِي الْمُسْتَقِلُّ، وَصَارَتْ الْفَتْوَى إلَى الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ، وَلِلْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ:

"أَحَدُهُمَا": أَنْ لَا يَكُونَ مُقَلِّدًا لِإِمَامِهِ، لَا فِي الْمَذْهَبِ وَلَا فِي دَلِيلِهِ، لِاتِّصَافِهِ بِصِفَةِ الْمُسْتَقِلِّ. وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ لِسُلُوكِهِ طَرِيقَهُ فِي الِاجْتِهَادِ. وَادَّعَى الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هَذِهِ الصِّفَةَ لِأَصْحَابِنَا، فَحَكَى عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رحمه الله - وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَأَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ صَارُوا إلَى مَذَاهِبِ أَئِمَّتِهِمْ تَقْلِيدًا لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ أَصْحَابُنَا: وَهُوَ أَنَّهُمْ صَارُوا إلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا تَقْلِيدًا لَهُ، بَلْ لَمَّا وَجَدُوا طُرُقَهُ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ أَسَدَّ الطُّرُقِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ الِاجْتِهَادِ سَلَكُوا طَرِيقَهُ. فَطَلَبُوا مَعْرِفَةَ الْأَحْكَامِ بِطَرِيقِ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ ( بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ نَحْوَ هَذَا فَقَالَ: اتَّبَعْنَا الشَّافِعِيَّ دُونَ غَيْرِهِ،؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا قَوْلَهُ أَرْجَحَ الْأَقْوَالِ وَأَعْدَلَهَا، لَا أَنَّا قَلَّدْنَاهُ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 أحمد بن علي بن محمد الوكيل المكنى بأبي الفتح الفقيه الشافعي المتوفي ببغداد سنة (520) قال ابن خلكان بفتح الباء وسكون الراء وبعد الهاء ألف ونون (ط)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت