فهرس الكتاب
ج / 3 ص -11- الصَّبِيُّ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا لِسَبْعِ سِنِينَ وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، لِمَا رَوَى سَبْرَةُ الْجُهَنِيُّ رضي الله عنه قَالَ:"قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ".
الشرح: حَدِيثُ سَبْرَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد:"مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا"وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ كَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ وَسَبْرَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ سَبْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ: وَيُقَالُ سَبْرَةُ بْنُ عَوْسَجَةَ الْجُهَنِيُّ أَبُو ثُرَبَةَ"بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ"وَقِيلَ كُنْيَتُهُ أَبُو الرَّبِيعِ، حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الدِّمَشْقِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ عَسَاكِرَ رحمه الله، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:"مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ بِمَنْطُوقِهِ الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ فِي الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا، وَفِيهِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ التَّفْرِيقُ فِي الْمَضَاجِعِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:"مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ"لَيْسَ أَمْرًا مِنْهُ صلى الله عليه وسلم لِلصَّبِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ لِلْوَلِيِّ، فَأَوْجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأْمُرَ الصَّبِيَّ، وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ لَيْسَ أَمْرًا بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} .
أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ: فَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ لَا يُؤْمَرُ بِفِعْلِهَا لَا إيجَابًا وَلَا نَدْبًا إلَّا الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ فَيُؤْمَرَانِ بِهَا نَدْبًا إذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ وَهُمَا مُمَيِّزَانِ، وَيُضْرَبَانِ عَلَى تَرْكِهَا إذَا بَلَغَا عَشْرَ سِنِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُمَيِّزَيْنِ لَمْ يُؤْمَرُوا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَقَدْ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَلَوْ قَالَ: الصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ لَكَانَ أَوْلَى، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِلَا خِلَافٍ ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهَذَا الْأَمْرُ وَالضَّرْبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ جَدًّا أَوْ وَصِيًّا أَوْ قَيِّمًا مِنْ جِهَةِ الْقَاضِي، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنْهُمْ صَاحِبَا الشَّامِلِ وَالْعُدَّةِ وَآخَرُونَ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي آخِرِ بَابِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ هُنَاكَ، وَذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَدَلِيلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَك بِالصَّلَاةِ} وقوله تعالى: {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"وَإِنَّ لِوَلَدِكَ عَلَيْك حَقًّا"رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:"كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ:"وَعَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْ يُؤَدِّبُوا أَوْلَادَهُمْ وَيُعَلِّمُوهُمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَيَضْرِبُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ إذَا عَقَلُوا"قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَأْمُرُهُ الْوَلِيُّ بِحُضُورِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَبِالسِّوَاكِ وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ، وَيُعَرِّفُهُ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشَبَهِهَا. قَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَئِمَّةُ: يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلَادِهِمْ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَضَرْبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأَبِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْأُمِّ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى أُجْرَةَ تَعْلِيمِ مَا سِوَى الْفَاتِحَةِ وَالْفَرَائِضِ مِنْ