فهرس الكتاب
ج / 3 ص -87- وَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا رَوَى أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّ الدُّعَاءَ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ".
الشرح: حَدِيثَا عُمَرَ وَعَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهم رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ بِاللَّفْظِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ هَذَا، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِالله رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ"وَقَوْلُهُ: الْوَسِيلَةَ هِيَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ الله، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ".
وَقَوْلُهُ: الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ هِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ وَهِيَ دَعْوَةُ الْأَذَانِ سُمِّيَتْ دَعْوَةً تَامَّةً لِكَمَالِهَا وَعِظَمِ مَوْقِعِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إلَى غَيْرِهَا، وَقَوْلُهُ: الصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ أَيْ: الَّتِي سَتَقُومُ أَيْ: تُقَامُ وَتُحْضَرُ، قَوْلُهُ: مَقَامًا مَحْمُودًا وَهَكَذَا هُوَ فِي الْمُهَذَّبِ مَقَامًا مَحْمُودًا بِالتَّنْكِيرِ، وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَجَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَهُوَ صَحِيحٌ وَيَكُونُ قَوْلُهُ: الَّذِي وَعَدْتَهُ بَدَلًا مِنْهُ، أَوْ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْنِي الَّذِي وَعَدْتَهُ، أَوْ مَرْفُوعًا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ الَّذِي وَعَدْتَهُ.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي التَّنْبِيهِ وَكَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فِي الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم التَّأَدُّبَ مَعَ الْقُرْآنِ ، وَحِكَايَةَ لَفْظِهِ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَافَظَ عَلَى هَذَا وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم"حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي"أَيْ: غَشِيَتْهُ وَنَالَتْهُ وَنَزَلَتْ بِهِ وَقِيلَ حَقَّتْ لَهُ.
أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ: فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِ أَذَانِهِ هَذِهِ الْأَذْكَارَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَسُؤَالِ الْوَسِيلَةِ وَالدُّعَاءِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ، وَيُسْتَحَبُّ لِسَامِعِهِ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي أَلْفَاظِ الْأَذَانِ وَيَقُولَ عِنْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِالله"فَإِذَا فَرَغَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ هَذِهِ الْأَذْكَارَ الْمَذْكُورَةَ كُلَّهَا، وَيَقُولَ إذَا سَمِعَ قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ"خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ"صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَابِعَهُ فِي أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ، إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ فِي كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا. هَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا الْغَزَالِيَّ فَحَكَى فِي الْبَسِيطِ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَتُهُ إلَّا فِي كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ. وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُتَابِعَ الْمُؤَذِّنَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَ فَرَاغِ الْمُؤَذِّنِ مِنْهَا وَلَا يُقَارِنَهُ وَلَا يُؤَخِّرَ عَنْ فَرَاغِهِ مِنْ الْكَلِمَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه وَيَقُولُ"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِالله"أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي الْأَذَانِ، وَمَرَّتَيْنِ فِي الْإِقَامَةِ فَيَقُولُهَا عَقِبَ كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ"حَيَّ عَلَى"