فهرس الكتاب
ج / 3 ص -89- الطَّوَافَ لَا يَمْنَعُ الْكَلَامَ.
فرع: إذَا سَمِعَ مُؤَذِّنًا بَعْدَ مُؤَذِّنٍ، هَلْ يَخْتَصُّ اسْتِحْبَابُ الْمُتَابَعَةِ بِالْأَوَّلِ؟ أَمْ يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ كُلِّ مُؤَذِّنٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ لِلسَّلَفِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ شَيْئًا لِأَصْحَابِنَا، وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنْ يُقَالَ: الْمُتَابَعَةُ سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ يُكْرَهُ تَرْكُهَا لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْأَمْرِ بِهَا، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ، وَأَمَّا أَصْلُ الْفَضِيلَةِ وَالثَّوَابِ فِي الْمُتَابَعَةِ فَلَا يَخْتَصُّ وَالله أَعْلَمُ.
فرع: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ سُنَّةٌ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ خِلَافًا لِبَعْضِ السَّلَفِ فِي إيجَابِهَا وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ.
فرع: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُتَابِعُ الْمُؤَذِّنَ فِي جَمِيعِ الْكَلِمَاتِ. وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهَا كَالْجُمْهُورِ، وَالثَّانِيَةُ يُتَابِعُهُ إلَى آخِرِ الشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِلّهِ تَعَالَى وَمَا بَعْدَهُ بَعْضُهُ لَيْسَ بِذِكْرٍ وَبَعْضُهُ تَكْرَارٌ لِمَا سَبَقَ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ عُمَرَ رضي الله عنه.
فرع: لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ فِي التَّرْجِيعِ أَمْ لَا؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ يُسْتَحَبُّ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم"إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ"وَالتَّرْجِيعُ مِمَّا يَقُولُ، وَلَمْ يَقُلْ فَقُولُوا مِثْلَ مَا تَسْمَعُونَ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَظْهَرُ وَأَحْوَطُ.
فرع:مَنْ رَأَى الْمُؤَذِّنَ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ لِبُعْدٍ أَوْ صَمَمٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْمُتَابَعَةُ؛ لِأَنَّ الْمُتَابَعَةَ مُعَلَّقَةٌ بِالسَّمَاعِ، وَالْحَدِيثُ مُصَرِّحٌ بِاشْتِرَاطِهِ، وَقِيَاسًا عَلَى تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فَإِنَّهُ لَا يَشْرَعُ إلَّا لِمَنْ يَسْمَعُ تَحْمِيدَهُ.
فرع: لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ حَتَّى فَرَغَ، لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ تَدَارُكُ الْمُتَابَعَةِ؟ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَتَدَارَكُ عَلَى الْقُرْبِ وَلَا يَتَدَارَكُ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ، وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْ سَمِعَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُتَابِعْهُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالْأَذْكَارِ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ. فَلَوْ طَالَ الْفَصْلُ فَهُوَ كَتَرْكِ سُجُودِ السَّهْوِ، فِيهِ تَفْصِيلٌ فِي مَوْضِعِهِ.
فرع: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا الْمَشْهُورَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي مُتَابَعَتُهُ فِي الصَّلَاةِ، وَسَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ. وَعَنْ مَالِكٍ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهَا يُتَابِعُهُ، وَالثَّانِيَةُ يُتَابِعُهُ فِي النَّافِلَةِ دُونَ الْفَرْضِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى: وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْعُدَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَعْدَةً يَنْتَظِرُ فِيهَا الْجَمَاعَةَ؛ لِأَنَّ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ الله بْنُ زَيْدٍ رضي الله عنه فِي الْمَنَامِ أَذَّنَ وَقَعَدَ قَعْدَةً، وَلِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ الْأَذَانَ بِالْإِقَامَةِ فَاتَ النَّاسَ الْجَمَاعَةُ فَلَمْ يَحْصُلْ الْمَقْصُودُ بِالْأَذَانِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ الْأَذَانِ إلَى غَيْرِهِ لِلْإِقَامَةِ لِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الله بْنِ زَيْدٍ"ثُمَّ اسْتَأْخَرَ غَيْرَ كَثِيرٍ ثُمَّ قَالَ مَا قَالَ وَجَعَلَهَا وِتْرًا".