فهرس الكتاب
[244] والثاني: إنه لا يمتنع أن يقال: إن طائفة من النفوس المفارقة لأبدانها، تكون مساوية لهذه النفوس الحاضرة، مساواة في الجوهر وفي الصفات، وكان هذا البدن الحاضر عظيم المشابهة بأبدان تلك النفوس المفارقة، وكانت تلك النفوس المفارقة مشتاقة إلى تلك الأبدان المنقوصة [1] المنقضية، فإذا دخل هذا البدن في الوجود، تعلقت تلك النفوس المفارقة بهذا البدن، ضربا من التعلق، وصارت معينة لهذه النفوس القائمة في الحال، على أحوالها وصفاتها ومهماتها. فإن كانت خيرة كانت تلك النفوس أعوانا للخير، وهو المراد بملائكة الأرض، وإن كانت شريرة كانت تلك النفوس أعوانا للشر، وهو المراد بالشياطين، الذين هم الأرواح الخبيثة الأرضية.
وأما القسم الثالث: وهو أن يحصل نفسان في بدن واحد. وتحصل نفس في أبدان كثيرة. فقد ذكرنا كيفية تقريره في الفصول السالفة.
واعلم: أن هذه المباحث إنما تتوجه على من يقول: النفس جوهر مجرد قائم بذاته [2] لا تعلق لها بذلك البدن، إلا على سبيل التصرف والتدبير.
ومن المباحث اللائقة بهذا الباب: أن يقال: إذا قلنا: إن النفس جوهر ليس بجسم ولا بجسماني، ولا تعلق لها بهذا البدن، إلا تعلق التصرف والتدبير. مثل تصرف الملك في البلدة، والمالك في البيت. وثبت أيضا: أنه لا داعي للنفس على التصرف في هذا البدن، إلا لأجل أن تستعمل هذه الأعضاء وهذه الآلات، في تحصيل اللذات الجسمانية، والراحات البدنية، والشهوات النفسانية. فحينئذ جرى تعلق هذه النفس بهذا البدن، مجرى من أراد أن يعمل عملا، ولا يمكنه الإتيان بذلك العمل إلا بواسطة آلة مخصوصة. فهو يحب تلك الآلة، ليتوصل بها إلى تحصيل ذلك العمل، إلا أنه لا تكون محبته مقصورة على تلك الآلة بعينها، بل إذا وجدت هذه الآلة صحيحة صالحة لذلك المقصود، استعملها [فإن رأى آلة أصلح من الأولى، ترك الأولى واستعمل
(1) المفروضة فإذا (م) .
(2) قائمة بذاتها (م) .