فهرس الكتاب

الصفحة 1786 من 2479

[257] لكن بواسطة الاستعانة بآلة جسمانية. فنقول: إن كلامنا الآن ليس في كيفية الآلات والأدوات، بل في إثبات أن النفس مدركة للجزئيات وشاعرة بها، من حيث إنها هي. فإن نازعتم فيه، أوردنا عليكم الدليل المذكور. وإن سلمتموه فهو المطلوب.

والعجب من هؤلاء الفلاسفة: كيف غفلوا عن أمثال هذه الدلائل الظاهرة، واشتغلوا بتركيب تلك الوجوه الضعيفة، وملئوا الكتب منها، واستمروا عليها في الأدوار المتطاولة، والأعصار المتباعدة.

الحجة الثالثة في إثبات ما ذكرناه: إن العلوم إما نظرية وإما ضرورية.

وقد ذكرنا مرارا: أنه لا بد من الاعتراف بالعلوم الضرورية، وإلا لزم التسلسل والدور، وهما محالان. فثبت: أنه لا بد من الاعتراف بالعلوم الضرورية والبديهية. وأجلى العلوم البديهية وأقواها وأكملها ما يحكم به صريح الفطرة، وبديهة العقل. إذا عرفت هذا، فنقول: كل واحد يعلم بالضرورة:

أنه [1] هو الذي رأى المبصرات، وسمع المسموعات، وذاق المطعومات، ولمس الملموسات، وأدرك المشمومات، وتصور المتخيلات، واستحضر المذكورات والمنسيات، وأنه هو الذي يحرك يده إلى الأخذ، ويحرك رجله إلى المشي. ولو نازع منازع في كون الإنسان موصوفا بهذه الصفات، وآتيا بهذه الأفعال، لكان ذلك النزاع واقعا في أظهر العلوم الضرورية. وذلك يدل على أن صريح الفطرة شاهدة بأن الإنسان هو الموصوف بهذه الصفات، وهو الفاعل لهذه الأفعال.

ولما كان الإنسان عبارة عن النفس، وجب أن تكون النفس هي الموصوفة بهذه الصفات، وهي الآتية بهذه الأعمال.

فإن قالوا: فلم لا يجوز أن يكون المراد من قول القائل: أبصرت كذا، وسمعت كذا، هو أن قوة من القوى التابعة لذاتي أبصرت كذا. وقوة أخرى سمعت كذا؟ قلنا: فعلى هذا التقدير لم يكن الإنسان مبصرا للمبصرات، ولا

(1) أن هذا الذي (ط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت