فهرس الكتاب
[355] الثالث: إن النفس الناطقة جوهر مجرد. وهي مدبرة لهذا البدن المعين.
فإما أن تدبر هذا البدن بإدراكات كليه وقصد كلي. وإما أن تدبره بإدراكات جزئية وقصد جزئي. فإن كان الأول، فقد بطل قولكم: إن القصد الكلي لا يصدر عنه أفعال جزئية. وإن كان الثاني، فقد بطل قولكم: إن الجوهر المجرد لا يكون صاحب الإدراكات الجزئية. وعلى كلا التقديرين، فإنه يبطل كلامكم.
وأقول: حقا إني شديد التعجب من غفلة هؤلاء الأقوام عن هذه الكلمات الظاهرة. فهذا هو الكلام على دليلهم.
والمختار عندي: أن النفس الفلكية جوهر مجرد عن الجسمية وعلائقها.
ومع هذا، فإنها موصوفة بالإدراكات الجزئية، والإرادات الجزئية. وكذلك أيضا موصوفة بالإدراكات الكلية، والإرادات الكلية. فهي عارفة بربها، وقاصدة بهذه الحركات: عبادة ربها وخالقها ومدبرها. وعلى هذا التقدير، فقد زالت الشكوك والشبهات. ويتفرع على ما ذكرنا: فروع. وهي: أن المسمى بنفس الكل [1] هي نفس الفلك الأعظم. وذلك لأن سائر الأفلاك موجودة في باطن الفلك الأعظم. فهي كالأجزاء من الفلك الأعظم. ونفوسها كالقوى المتشعبة من نفس الفلك الأعظم، كما أن القوى المتشعبة عن النفس الناطقة الموجودة في كل واحد من الأعضاء المخصوصة كالنتائج والآثار والشعب لجوهر النفس الناطقة. فثبت بما ذكرنا: أن تدبير الحق سبحانه لعالم الأجسام، إنما ابتدأ من الفلك الأعظم، الذي هو العرش. وذلك الابتداء إنما حصل بواسطة تلك النفس التي هي النفس الفلكية. وأما سائر النفوس الفلكية والعنصرية، فهي نتائجها وشعبها وأولادها. وإليه الإشارة في الدعاء المشهور وهو قوله عليه السلام: «اللهم إني أسألك بمعاقد عزك؟؟؟ على أركان عرشك» فالمراد من معاقد العز: هو جوهر تلك النفس الكلية وشعبها، المنبثة منها في أجزاء العرش.
(1) الفلك (م) .