فهرس الكتاب

الصفحة 2022 من 2479

[83] ثم نقول: لم لا يجوز أن يقال: إن الناس يشاهدون ذلك الملك في صورة البشر [1] ؟ ويكون الفرق بينه وبين سائر البشر: أن لا يحتاج إلى الأكل والشرب والملبوس والمنكوح، وهذا القدر من التفاوت لا يوجب الخوف الشديد، ويحصل الامتياز بينه وبين سائر الناس. وأما قوله ثانيا الملائكة لهم قهر شديد فهم لا يسامحون البشر. قلنا: الملائكة لا يعصون الله فيما يأمرهم، فإذا أمرهم بالرفق لم يفعلوا شيئا من التشديد.

وأما قوله ثالثا: الجنس إلى الجنس أميل. فنقول: حصول الميل في القلب، ليس إلا من الله تعالى، كما قال تعالى: «ولكِنّ الله ألّف بيْنهُمْ [2] » فيثبت بما ذكرنا: أن إرسال الرسول من زمرة الملائكة، أفضى إلى المقصود.

ونقول: لو كانت الرسالة جائزة، لوجب أن يكون ذلك الرسول من الملائكة [لأن الحكيم [3] ] إذا أراد تحصيل مطلوب، وكان له إليه طريقان، وكان أحد الطريقين أفضى إلى حصول ذلك المطلوب من الطريق الثاني، فإنه يجب عليه بمقتضى حكمته، أن يرجح الطريق الأفضل الأكمل.

الوجه الثاني في تقرير هذه الشبهة: إن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به. ونرى البشر ناقصين في هذين الوصفين، فاحتاجوا إلى شخص يكون كاملا فيهما، حتى يصير ذلك الكامل مكملا للناقصين، وذلك المكمل يجب أن يكون مبرأ عن النقصان في هذين الوصفين، وإلّا لافتقر إلى مكمل آخر، ولزم التسلسل، وكل من كان بشرا فإنه لا ينفك عن الشهوة والغضب، وبسبب حصول هذين الوصفين [4] يكون النقصان حاصلا فيهم. أما الملائكة فهم مقدسون عن الشهوة والغضب، والخيال والوهم، مستغرقون في المعارف الإلهية، مواظبون على الطاعات والعبادات.

فكانت بعثتهم لأجل تكميل الناقصين أولى.

(1) الملائكة (ت) .

(2) الأنفال 63.

(3) سقط (ت) .

(4) هذين الوصفين (ت) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت