فهرس الكتاب

الصفحة 2295 من 2479

[176] والجواب: الدليل على أن الإيمان نعمة: الإجماع الذي نقلناه، وإنكاره مكابرة. فإن أصروا على المنع. قلنا: الدليل على أن الإيمان نعمة: أن لفظ النعمة مستعمل في صور كثيرة. ولا بد من جعلها حقيقة في القدر المشترك بينها، دفعا للاشتراك والمجاز. وكونه أمرا منتفعا به خاليا عن كل جهات المضرة، قدر مشترك. فوجب جعل اللفظ حقيقة فيه. ولأنا إذا قلنا: إن الله تعالى أعطى فلانا نعمة، لم يفهم إلا ما ذكرناه. فثبت: أن لفظ النعمة اسم لكل أمر منتفع به، خالي عن جميع جهات المضرة. والإيمان كذلك، فوجب أن يكون نعمة.

قوله: «لم لا يجوز أن يكون الإيمان من الله، بمعنى أنه حصل بأمره وبإعانته» ؟

قلنا: لأن كلمة «من» لابتداء الغاية. وإنما يصدق القول بأن هذه النعمة من الله تعالى، إذا كان ابتداء حدوثها من الله. فلو كان إحداثها وإيجادها من العبد، لم يصدق عليها أنها من الله. وأقصى ما في الباب: أنه قد يطلق هذا اللفظ على سبيل المجاز في بعض المواضع. إلا أن المجاز خلاف الأصل. والله أعلم.

الحجة الثانية: قوله تعالى: فمنْ شاء فلْيُؤْمِنْ، ومنْ شاء فلْيكْفُرْ [1] وهذه الآية هي التي يظن المعتزلة أنها في غاية القوة من جانبهم. وتقريره: أن نقول: فعل العبد موقوف على مشيئة العبد، ومشيئة العبد موقوفة على مشيئة الله تعالى. ينتج: أن فعل العبد موقوف على مشيئة الله تعالى. وإنما قلنا: إن فعل العبد موقوف على مشيئة، للقرآن والعقل. أما القرآن. فقوله تعالى:

فمنْ شاء فلْيُؤْمِنْ، ومنْ شاء فلْيكْفُرْ دلت هذه الآية: على أن مشيئة الإيمان مستعقبة للإيمان، ومشيئة الكفر مستعقبة للكفر. وظاهر أيضا: أن عند عدم هذه المشيئة لا يصدر الفعل عن القادر. وأما العقل. فهو أن القادر، قادر على الضدين. أعني: الكفر والإيمان والمعصية والطاعة. فيمتنع أن

(1) سورة الكهف، آية: 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت