فهرس الكتاب

الصفحة 2371 من 2479

[256] الوجه الثاني في تقرير ذلك: أن العقلاء يعلمون بالضرورة: حسن ذم من أساء إليهم، ومدح المحسن إليهم. ويعلمون بالضرورة: قبح المدح والذم على كونه طويلا أو قصيرا، وكون السماء [فوقه [1] ] والأرض تحته. ولولا علمهم الضروري بكون العبد محدثا لأفعاله، لما علموا بالضرورة حسن مدحه وذمه على أفعاله، وقبح مدحه وذمه على ما لا يكون واقعا به. لأن العلم بحسن المدح والذم لما كان فرعا على العلم بحدوث ذلك منهم والعلم بالفرع إذا كان ضروريا، كان العلم بالأصل أولى أن يكون ضروريا لزم القطع بأن علم العقلاء بكونهم محدثين لتصرفاتهم: علم ضروري بديهي. ولأجل ظهور هذا العلم عند العقلاء، حصل هذا العلم للمراهقين. فإن الإنسان إذا رمى المراهق بآجرة، فإنه يذم الرامي ولا يذم تلك الآجرة. ولولا أنه عالم [2] بالضرورة: بأن الرامي فاعل، وأن الآجرة ما فعلت شيئا، وإلا لما فرق بينهما من الوجه المذكور.

الثالث: إن الواحد منا يجد من نفسه ومن غيره إذا طلب فعلا من غيره، أنه يطلب منه طلب عالم بأنه [هو [3] ] الذي يحدث ذلك الفعل.

ولذلك فإنه يتلطف في استدعائه ذلك الفعل منه، بكل لطف وينهاه عن فعل ما يكرهه، ويعنفه على فعله، ويتعجب من فعله، ويستظرفه، ويعجب العقلاء في فعله. ويعلل كل ذلك: بأن فعله. وأيضا: فنجد من أنفسنا: الفرق الضروري بين أمره بالقيام والقعود، وبين أمره بإيجاد السماء والكواكب. ولولا أن العلم الضروري حاصل بكوننا موجدين لأفعالنا، وإلا لما صح ذلك.

قالوا: فهذه الوجوه الثلاثة: منبهة على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا. وهذا غاية تقرير مذهب «أبي الحسين البصري» في هذه المسألة.

(1) من (ط) .

(2) علم (م) .

(3) سقط (م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت