فهرس الكتاب

الصفحة 2375 من 2479

[260] من ذلك الغير أن لا يحدثها عند حصول إرادتنا، وأن يحدثها عند حصول كراهتنا. وذلك يبطل ما بيناه في المقدمة الأولى من وجوب مطابقة أفعالنا لدواعينا نفيا وإثباتا.

الحجة الثانية: الأنبياء عليهم السلام أجمعوا على أن الله أمر عباده ببعض الأشياء، ونهاهم عن بعضها. ولو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه، لما صح ذلك. فكيف يعقل أن يقول الله للعبد: افعل الإيمان والصلوات والعبادات، ولا تفعل الكفر والمعاصي. مع أن الفاعل لهذه الأفعال، والتارك لها ليس هو العبد؟ فإن أمر [1] الغير بالفعل يتضمن الإخبار عن كون ذلك المأمور قادرا على الفعل، حتى إنه لو لم يكن المأمور قادرا عليه لمرض أو لسبب آخر، ثم أمره غيره به. فإن العقلاء يتعجبون منه وينسبونه إلى الحماقة والجنون. ويقولون: إنك تعلم أنه لا يقدر على ذلك الفعل، فكيف تأمره به؟

ولو صح هذا لصح أن يبعث الله رسولا إلى الجمادات مع المعجزات، والكتب والشرائع. لأجل أن يبلغ ذلك الرسول تلك الشرائع إلى تلك الجمادات. ثم إنه تعالى يخلق الحياة والعقل لتلك الجمادات، ويعاقبها، لأجل أنهم لم يمتثلوا أمر الرسول، حال كونها جمادات. وذلك مما يعلم فساده ببديهة العقل.

واعلم: أنا قد حكينا لهم استدلالهم بما تقرر من هذا الوجه، على أن علم العبد بكونه موجدا لأفعال نفسه: علم ضروري. وذلك الوجه مغاير لهذا الوجه. لأنا في ذلك الوجه استدللنا بحصول العلم الضروري، وبحسن المدح والذم على أن العلم الضروري حاصل بكون العبد موجدا. والآن نستدل بحسن المدح والذم على كون العبد موجدا. فظهر الفرق.

ولا يقال: لم لا يجوز أن يقال: العبد وإن لم يكن موجدا لأفعال نفسه، إلا أنه مكتسب لها ويكفي [2] هذا القدر في حسن المدح والذم؟ لأنا نقول:

دخول فعل العبد في الوجود، إما أن يكون من العبد، وإما أن لا يكون منه

(1) من (م) .

(2) ففي [الأصل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت