[277] المخلوقات خالقا. ولذلك قال تعالى: ربُّنا الّذِي أعْطى كُلّ شيْءٍ خلْقهُ، ثُمّ هدى [طه 50] .
(ب) ويقول الأستاذ عباس محمود العقاد في «الله» :
إن أقرب الأدلة العقلية إلى القبول على وجود الله تعالى هو: برهان الخلق، وبرهان الغاية، وبرهان الاستكمال أي المثل العليا وبرهان الأخلاق.
1أما برهان الخلق: ويعرف في اللغات الأوروبية باسم البرهان الكوني. فهو أقدم هذه البراهين وأبسطها وأقواها في اعتقادنا على الإقناع. وخلاصته: إن الموجودات لا بد لها من موجد.
لأننا نرى كل موجود منها يتوقف على غيره، ونرى غيره هذا يتوقف على موجود آخر، دون أن نعرف ضرورة توجب وجوده لذاته. ولا يمكن أن يقال: إن الموجودات كلها ناقصة، وأن الكمال يتحقق في الكون كله. لأن هذا كالقول بأن مجموع النقص: كمال. ومجموع المتناهيات: شيء ليس له انتهاء. ومجموع القصور: قدرة لا يعتبر بها القصور. فإذا كانت الموجودات غير واجبة لذاتها، فلا بد لها من سبب يوجبها، ولا يتوقف وجوده على وجود سبب سواه.
ويسمى هذا البرهان في أسلوب من أساليبه المتعددة ببرهان المحرك الذي لا يتحرك، أو المحرك الذي أنشأ جميع الحركات الكونية على اختلاف معانيها. ومنها الحركة بمعنى الانتقال من حال إلى حال. والحركة بمعنى الانتقال من حيز الإمكان إلى حيز الوجود، أو من حيز القوة إلى حيز الفعل.
وفحوى البرهان: أن المحرك لا بد له من محرك، وأن هذا المحرك لا بد وأن يستمد الحركة من غيره. وهكذا إلى أن يقف العقل عند محرك واحد، لا تجوز عليه الحركة، لأنه قائم بغير حدود من المكان أو الزمان. وهذا هو «الله» .
2وأما برهان الغاية: فهو في لبابه نمط موسع من برهان الخلق، مع تصرف فيه وزيادة عليه. لأنه يتخذ من المخلوقات دليلا على وجود الخلق، ويزيد على ذلك: أن هذه المخلوقات تدل على قصد في تكوينها، وحكمة في تسييرها وتدبيرها.
3وأما برهان الاستكمال: ويسمى برهان المثل العليا: وفحواه: أن العقل الإنساني كلما تصور شيئا عظيما، تصور ما هو أعظم منه. لأن الوقوف بالعظمة عند مرتبة قاصرة يحتاج إلى سبب، وهو أي العقل الإنساني لا يعرف سبب القصور. فما من شيء كامل، إلّا والعقل الإنساني متطلع إلى أكمل منه، ثم أكمل منه، إلى نهاية النهايات، وهي غاية الكمال المطلق التي لا مزيد عليها ولا نقص فيها. وهذا الموجود الكامل الذي لا مزيد على كماله: موجود لا محالة. لأن وجوده في التصور أقل من وجوده في الحقيقة، فهو في الحقيقة: موجود. لأن الكمال المطلق ينتفي عنه، بسبب عدم وجوده، ولا يبقى له شيء من الكمال، بل نقص مطلق هو عدم الوجود، فمجرد تصور هذا الكمال مثبت لوجوده.
4وأما برهان الأخلاق: فهو «علامة» في النفس الإنسانية. لا يتأتى وجودها فيها وجود إله. وتلك هي علامة الوازع الأخلاقي، أو علامة الواجب أو علامة الضمير. فمن أين استوجب