فهرس الكتاب
[51] الوجه الثاني في الجواب: أن نقول: المكان إما أن يكون مفسرا بالبعد الذي ينفذ فيه الجسم، أو بالسطح المحيط. فإن كان الحق هو الأول، فالجواب ما ذكرناه في الوجه الأول. وهو فرق صحيح، وإن كان الحق هو الثاني، قلنا: إن كل العالم ليس في حيز وجهة البتة، بل هو ذات مركبة من الأجزاء والأبعاض، فإن حكمتم بكون الباري تعالى كذلك، كان ذلك قولا بأنه جسم مؤلف من الأجزاء، وقد سبق بيان أن ذلك قول باطل.
الحجة الثامنة: إن كل ما صحت الإشارة الحسية إليه بأنه هاهنا أو هناك، فإما أن يكون موصوفا بهذه الصفة على سبيل الأصالة والاستقلال، أو على سبيل التبعية، فإن كان الأول فهو الجسم، وإن كان الثاني فهو العرض، ولما دللنا في الفصل المتقدم على أنه يمتنع كونه جسما. وظاهر أنه أيضا ليس بعرض، وإلّا لكان محتاجا إلى المحل، فحينئذ يلزم منه امتناع كونه حاصلا في الحيز والجهة. وهو المطلوب.
الحجة التاسعة: إن كل ما كان مشارا إليه بحسب الحس، وكان شيئا عظيما، فإنه لا بد وأن نفرض فيه الأجزاء والأعضاء، لأن الشيء الذي منه يحاذي يمين العرش، غير الشيء الذي منه يحاذي يسار العرش، وكيف لا نقول ذلك ونقول: بأن هذا الجانب يحاذي يمين العرش لا يساره، والجانب الآخر منه يحاذي يسار العرش لا يمينه؟ فلو كان الجانبان شيئا واحدا، لزم اجتماع النفي والإثبات، وأنه محال.
وإذا ثبت هذا فنقول: كل واحد من النصفين يماس النصف الآخر بأحد وجهيه دون الثاني. والوجهان متساويان في تمام الماهية، والمتساويان في تمام الماهية، يجب أن يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر، وكما صح على أحد النصفين أن يماس النصف الآخر بأحد وجهيه دون الثاني، وجب أن يصح عليه أن يماسه بالوجه الثاني دون الأول. ومتى صح ذلك، لزم صحة التفرق والتمزق عليه، فيثبت: أن كل ما حصل في الجهة والحيز، وكان عظيم الذات، فإنه يكون جسما مؤلفا من الأجزاء، أو يكون التفرق والتمزق عليه