فهرس الكتاب
[53] هذا البعد غير متناه، لزم أن يقال: إن ما لا نهاية له محصور بين حاصرتين وذلك محال. فثبت فساد هذه الأقسام الثلاثة، ويلزم من فسادها القول بتنزيه ذات الله تعالى عن المكان والحيز.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه مماس للعرش، أو مباين له بينونة متناهية؟ قوله: «إنه لو كان كذلك، لكان الذي يماس منه أحد أجزاء العرش، مغاير للذي يماس منه الجزء الثاني» قلنا: لا نسلم. ولم لا يجوز أن يقال: إنه شيء واحد، وهو بعينه حاصلا في جميع الأحياز، وهو بعينه يماس جميع أجزاء العرش، أو يحاذيها؟ وأقصى ما في الباب أن هذا في الجوهر الفرد محال، فإن الجوهر الواحد لا يحصل في الأحياز الكثيرة دفعة واحدة. فلم قلتم: إنه لما كان الأمر كذلك في الجوهر، وجب أن يكون الأمر كذلك في حق الباري تعالى؟ فإن قياس الغائب على الشاهد مطلقا باطل، لا سيما على مذهبكم فإن الأصل المعتبر في إثبات التنزيه أن قياس الغائب على الشاهد لا يجوز.
سلمنا أنه يلزم منه كونه تعالى مركبا من الأجزاء والأبعاض. فلم قلتم:
إن ذلك محال؟ ولم لا يجوز أن يقال: إنه وإن كان مؤلفا من الأجزاء، إلا أنها لا تقبل التفرق والتمزق بل هي واجبة البقاء على نسق واحد؟
سلمنا أن ذلك باطل إلا أن هذا إنما يلزم، إذا قلنا: إنه تعالى محاذ للعرش ببعد متناه أما إذا قلنا: إنه مباين للعرش ببعد غير متناه فهذا غير لازم. أما قوله «لو كان كذلك، لزم أن يكون ما لا نهاية له محصورا بين حاصرين، وذلك محال» قلنا: أليس أن الله تعالى قديم أزلي؟ فعلى هذا أنه لا أول لوجوده في جانب الأزل، أما وجوده من الجانب الذي يلينا [1] فإنه مقارن لوجود كل واحد من هذه الحوادث، فإذا جاز في المدة والزمان أن تكون ذاته مباينة لهذه الحوادث، من جانب الأزل بينونة غير متناهية، مع أنه يكون مقارنا للعالم في جانب الأبد. فلم لا يجوز أيضا أن يقال: إن ذاته مباينة للعرش ببعد
(1) يلينا (س) بينا (و) .