فهرس الكتاب
[60] واعلم أن هذا الكلام لا يتم إلا بتقرير مقدمات، ونحن نذكرها:
أما المقدمة الأولى: وهي قولنا: كل موجودين في الشاهد، فلا بد وأن يكون أحدهما مجانبا للآخر، أو مباينا عنه بجهة. فنقول: هذا الحكم لا بد له من علة. والدليل عليه: هو أن المعدوم لا يصح فيه هذا الحكم، وهذه الموجودات التي في الشاهد يصح فيها هذا الحكم، ولولا امتياز ما صح فيه هذا الحكم عما لا يصح فيه هذا الحكم، وإلا لامتنع حصول هذا الامتياز.
وأما المقدمة الثانية: فهي في بيان أنه يمتنع تعليل هذا الحكم، بخصوص كونه جوهرا، أو بخصوص كونه عرضا. والدليل عليه: أن المقتضى لهذا الحكم لو كان هو كونه جوهرا، لصدق على الجوهر أنه ينقسم إلى ما يكون مجانبا لغيره، وإلى ما يكون مباينا عنه. ومعلوم أن ذلك باطل، لأن الجوهر يمتنع أن يكون مجانبا لغيره، وبهذا الطريق يظهر أن المقتضى لهذا الحكم، ليس كونه عرضا أيضا، لامتناع كون العرض مباينا لغيره بالجهة.
المقدمة الثالثة: في بيان أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث. ويدل عليه وجوه:
الأول: إن الحادث عبارة عن وجود سبقه عدم، والعدم غير داخل في العلية وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار، لم يبق إلا الوجود.
والثاني: إنه لو كان هذا الحكم معللا بالحدوث، لكان الجاهل بكون السماء محدثة، وجب أن يكون جاهلا بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات، التي في هذا العالم، إما أن تكون مجانبا لها، أو مباينا عنه بالجهة، لأن المقتضى للحكم إذا كان أمرا معينا، فالجاهل بذلك المقتضى بذلك المقتضى، يجب أن يكون جاهلا بذلك الحكم، ألا ترى أن الموجود لما كان هو المستدعي للتقسيم إلى القديم، وإلى المحدث، لا جرم كان اعتقاد أنه غير موجود يكون مانعا للتقسيم بالقدم والحدوث، ولما كان التقسيم إلى الأسود والأبيض مفرعا على كونه ملونا، لا جرم كان اعتقاد أن الشيء غير ملون، مانعا من اعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض. ولما رأينا أن الدهري الذي يعتقد قدم السموات