[141] العبد فاعلا وموحدا، ومتى كان الفرع معلوما بالضرورة، كان الأصل أيضا معلوما بالضرورة، فوجب أن يكون العلم بكون العبد موجدا علما ضروريا.
وهذه مقدمات لا بد من تقريرها.
أما المقدمة الأولى: وهي قولنا: إن العلم الضروري حاصل بحسن المدح والذم. فتقريره: أن كل من أحسن إلى إنسان، وأوصل إليه نوعا من أنواع الخير، فإن صريح عقله يحكم بحسن الشكر والمدح والثناء له، وكل من آذاه وأوصل إليه نوعا من أنواع الضرر، فإن صريح عقله يحمله على أن يقول:
لم فعلت هذا؟ وبئس ما فعلت. والعلم بحسن هذا المدح والذم من أجلى العلوم الضرورية، والمنازع فيه مكابر في أجلى العلوم البديهية.
وأما المقدمة الثانية: وهي في بيان أن العلم بحسن المدح والذم فرع على العلم بكونه فاعلا. فالدليل عليه: أن من رمى وجه إنسان بحجر حتى شجّه، فإنه يجد من قبله ذمّ ذلك الرامي، ولا يجد البتة ذم ذلك الحجر ولو قيل له: لم فرقت بينهما في هذا الحكم؟ فكل عاقل يفرق بينهما بقوله: إن الرامي فعل هذا الفعل باختياره، فأستحق المدح والذم. وأما الحجر فلا قدرة له على الفعل البتة. فيثبت بما ذكرنا: أن صريح العقل حاكم بأن حسن المدح والذم فرع على العلم بكون الفاعل فاعلا.
وأما المقدمة الثالثة: وهي في بيان أن العلم بالفرع لما كان ضروريا، وجب أيضا أن يكون العلم بالأصل ضروريا. فالدليل عليه: أن الأصل إذا لم يكن معلوما بالضرورة أمكن وقوع الشك فيه. وعند وقوع الشك في الأصل يلزم وقوع الشك في الفرع، فيثبت: أن كون الأصل نظريا، يقتضي جواز وقوع الشك في الفرع، ولما دللنا على أن وقوع الشك في هذا الفرع محال، أعني العلم باستحقاق المدح والذم، وجب أن يكون العلم بذلك الأصل، أعني العلم بكون العبد موجدا غير قابل للشك. ومتى كان الأمر كذلك، كان ذلك معلوما بالضرورة. فيثبت بما ذكرنا: أن التقسيم الذي ذكرتم لو صح، لزم القدح في كون العبد موجدا لأفعال نفسه، وثبت أن هذا باطل، فوجب أن يكون ذلك التقسيم باطلا.