فهرس الكتاب
[28] على الترك. والناس يقولون لصاحب هذه الخواطر المختلفة إنه إنسان ذو بدوات، وأنه ليس له في شيء من الأفعال ثبات [1] ومعنى كونه ذو بداوات: إنه تارة يبدو له كون الفعل راجح الصلاح، وتارة أخرى يبدو له (كون الفعل) [2] راجح الفساد. وإنما كان مثل هذا الإنسان قليل الثبات، لأنه لما كان الفعل معللا بالقدر مع الدواعي، فعند تغير الدواعي يجب تغير الفعل. فالإنسان الذي يكون ذا بدوات، لا بد وأن يكون له في شيء من الأفعال ثبات.
واعلم: أن الجهات المعتبرة بحسب المصالح والمفاسد كثيرة خارجة عن الضبط، وكلما كان وقوف العقل عليها أكثر كانت الحيرة والاضطراب أكثر، وكلما كان وقوف العقل عليها أقل كان البقاء والثبات على الطريق الواحد أقل.
الفرع الثالث: وهو أنا قد ذكرنا أنه إذا كان الفعل راجح المفسدة في اعتقاد الفاعل لزم الترك، وإذا لم يحصل أيضا فيه اعتقاد حصول الصلاح يجب الترك. إذا عرفت هذا فنقول: إنه لا معنى للترك إلا بقاء الشيء على العدم الأصلي، فإن كان على تقدير أن يحصل اعتقاد رجحان المفسدة لم يحصل إلا الترك (وعلى تقدير عدم اعتقاد الرجحان، لا في الفعل ولا في الترك، لم يحصل إلا الترك [3] فعند هذا يظهر أنه ليس لاعتقاد كونه راجح المفسدة أثر البتة.
بل إن حصل اعتقاد [4] أنه راجح الفعل حصل الفعل، وإن لم يحصل هذا الاعتقاد بقي الفعل على عدمه الأصلي، بناء على أن علة العدم هي عدم العلة، فحينئذ لا يكون لاعتقاد أن هذا الفعل راجح المفسدة أثر في الترك البتة. فهذا يدل على أن اعتقاد كونه راجح المفسدة، لا أثر له البتة (في الترك) [5] وكنا قد دللنا في أول هذا الباب على أن القدرة لا أثر لها البتة في الترك، فقد ظهر بالبحث الذي ذكرناه: أن القدرة لا أثر لها البتة في الترك.
وأن الداعية لا أثر لها البتة في الترك. وذلك يقرر ما ذكرناه من أن المستند إلى
(1) ثبات (س) .
(2) من (س) .
(3) من (م) .
(4) اعتقاد (س) .
(5) من (م) .