فهرس الكتاب
[154] الحجة الثانية: في بيان العلم بأن الشيء سيوجد ليس نفس العلم بوجوده إذا وجد: هو أنا نقول: من البين في بديهة العقل أن حقائق الأشياء لا تنقلب، فالسواد لا ينقلب بياضا، والعلم لا ينقلب ضده [1] . إذا عرفت هذا. فنقول: العلم بأن الشيء سيوجد ماهية مخالفة لماهية بأن الشيء موجود في الحال. والدليل عليه هو أنه، يمتنع قيام كل واحد منهما مقام [2] الآخر.
وذلك لأن قبل وجود الشيء لو اعتقد فيه كونه موجود، وأنه سيوجد، لكان ذلك جهلا (عند وجوده. ولو اعتقد فيه أنه غير موجود، وأنه سيوجد، لكان ذلك جهلا) [3] فيثبت أن ماهية كل واحد من هذين العلمين مخالفة لماهية العلم الآخر. وإذا ثبت هذا فنقول: قد بينا أن الماهيات والحقائق يمتنع عليها الانقلاب والتغير، فوجب أن يمتنع أن يصير أحد العلمين نفس العلم الثاني، فيثبت أن العلم بأن الشيء سيوجد، يمتنع أن يكون نفس العلم بوجوده إذا وجد.
الحجة الثالثة: أن نقول: من البين في بديهة العقل: (أن الشيء الذي يكون مشروطا بشرط، فإنه يكون مغايرا للشيء الذي لا يكون مشروطا بذلك الشرط. بل نقول) [4] : إن الشيء الذي هو موجود في الحال، مغاير للشيء الذي هو غير موجود في الحال، بل سيوجد بعد ذلك. وإذا عرفت هذا فنقول: العلم بأن الشيء سيوجد غير مشروط بكون ذلك الشيء موجودا في الحال، بل يكون ذلك منافيا له، وأما العلم بأنه موجود في الحال، فإنه مشروط بكون ذلك الشيء موجودا في الحال، فوجب الجزم بكون أحد العلمين مغاير للآخر. بل نقول: إن العلم بأن الشيء سيوجد حاصل في الحال، ولا يبقى عند وجوده. والعلم بأنه غير موجود غير حاصل [5] في الحال، وسيوجد عند وجوده، فهذان العلمان كالمتنافيين المتضادين، فالقول بأن أحدهما عين
(1) قدرة (س) .
(2) هذا ليس له محل، وذاك ليس له محل.
(3) من (م) .
(4) من (س) .
(5) غير حاضر (س) .