[207] الرابع: إن العلم الضروري حاصل بأن المتكلم أكمل وأفضل ممن لم يكن متكلم، ولا شك أن الواحد منا متكلم. فلو لم يكن الله في الأزل متكلما، لزم أن يكون حال الواحد منا عند وجوده أفضل وأكمل من الله تعالى، حين كان في الأزل، وذلك محال. فيثبت أنه تعالى موصوف بالكلام في الأزل.
ولقائل أن يقول: أما الوجه الأول: فقد تكلمنا عليه في مسألة السمع والبصر، والذي نريده هاهنا هو أن نقول: لا نسلم أن السكوت نقص، بل النقص أن يقول القائل: يا زيد صلّ، ويا عمرو صم. مع أن زيدا وعمروا يكونان معدومين، ألا ترى أن الرجل إذا جلس في دار نفسه وحده، خاليا (عن الناس) [1] ثم يقول: يا مستقر اركب، ويا قائما أقبل [2] . فإن كل أحد يقضي عليه بالجنون والنقص، فكذا هاهنا.
وأما الوجه الثاني: وهو أن قولكم: أجمعنا على أنه تعالى متكلم.
فنقول: إن عنيتم بكونه متكلما أنه فعل أفعالا مخصوصة، دلت تلك الأفعال على كونه تعالى مريدا لبعض الأفعال، وكارها لبعضها، فهذا مسلم إلا أن هذا القدر لا يدل على كونه تعالى موصوفا بشيء من الصفات المسماة بالكلام، وإن عنيتم بكونه متكلما: أمرا وراء ذلك فهذا ممنوع. والاتفاق ليس إلا في اللفظ.
وأما الوجه الثالث: وهو أن الكلام صفة كمال، والخلو عنه نقص، والنقص على الله محال. فجوابه: أن الاشتغال بالأمر والنهي حال عدم المأمور والمنهي، هو النقص والسفه.
وهذا بعينه هو الجواب عن الرابع: فهذا خلاصة الكلام المعقول في هذا الباب.
وأما اللفظيات والسمعيات، ففيها أقوال كثيرة [3] لا تليق بهذا الكتاب.
والله أعلم بالصواب. ومنه التوفيق.
(1) من (م) .
(2) في (م، س) . تصحيف.
(3) أقوال (س) .