فهرس الكتاب
[290] الاحتراز عن العقاب أو لا نقضي بذلك؟ فإن قضي بذلك، فالحسن والقبح العقليان قد ثبتا، وإن لم يقض عقله بذلك فحينئذ يحتاج إلى أن يوجب الشرع عليه الاحتراز عن العقاب. والكلام فيه كما في الأول، فيلزم التسلسل، وهو محال.
والثالث: إنه لا شك أن عندنا مطلوبا أو مكروها. ولا يجوز أن نقول:
إن كل مطلوب أو مكروه [1] إنما كان مطلوبا أو مكروها لأجل شيء آخر، وإلا لزم التسلسل أو الدور، فلا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوبا لذاته، وبوجود شيء يكون مكروها لذاته. ثم لما تأملنا علمنا: أن اللذة والسرور مطلوبتان بالذات. وأن الألم والغم مكروهان بالذات. فهذا الحكم ثابت في محض العقول، سواء حصلت الشريعة أو لم تحصل فيثبت بما ذكرنا: أن العقل يقضي بحسن بعض الأشياء وبقبح بعضها. فهذه الوجوه دالة على أن الحسن والقبح بمقتضى العقل في حق العباد (معتبر) [2] .
وأما إثباتهما في حق الله تعالى، فنقول: هذا محال [3] ويدل عليه وجوه:
الحجة الأولى: أن الذي عقلناه من معنى الحسن ما يكون نفعا، أو مؤديا إليه، والذي عقلناه من معنى القبح، ما يكون ضررا أو مؤديا إليه، والرغبة في المنفعة، والرهبة عن المضرة إنما يعقل (حصولهما) [4] في حق من يصح عليه النفع والضرر. ولما كان ذلك في حق الله تعالى محالا، كان القول بثبوت الحسن والقبح في حق الله محالا.
قالت المعتزلة: كون الشيء حسنا أو قبيحا. أمر مغاير لكونه منشئا للمنفعة والمضرة. والدليل عليه: أن النافع قد يكون قبيحا، والضار قد يكون حسنا، أما أن النافع قد يكون قبيحا، فلأن الظلم نافع في حق الظالم مع أنه
(1) أو مكروه (س) .
(2) زيادة.
(3) هذا محال من معنى الحسن ويدل عليه وجوه (م) .
(4) من (س) .