فهرس الكتاب
صفحة رقم: 497
بعد ساعة، وكان فراق الأحباب قد بلغ بى غايته، وكان قلبى المحترق في نهاية العذاب، ولم يكن لى سبيل إلى الذهاب إليهم ولا قدرة على الإقامة بعيدا عنهم.
فكنت طوال أيام الفراق أنشد هذه القطعة لتكون وردا لآلامى ومؤنسة لى في أحزانى:
[أبيات فارسية في الأصل: ترجمتها] - ماذا تريد الدنيا منى ... أنا المسكين المحتاج ... ؟، وما ذا يود العالم منى ... أنا المتعب المكدود ... ؟! [ص 360]
-وا أسفاه! .. لقد صارت الدنيا حلقة أمام عينى، وبقيت أنا وسط هذه الحلقة مقيد القدمين ... !!
-ويا أيها الأصدقاء! لم لا يذكرنى واحد منكم .. ؟! ويقول: لم صار محمد عاجزا محتاجا ... ؟!
-ويا أيها الكبراء والأصدقاء ... يا أيها الغافلون، ارحمونى، فإن قلبى متعب مكدود ... !!
-وأنتم أيها الأتباع المخلصون ... لقد نسيتم حقى عليكم، هل علمتم أن مثل هذا السلوك لا يرضى اللّه ... !!
-إن الناس ينصحوننى، ويقولون لى اصبر ... ولكن ماذا يجدى النصح ... ! وكيف أصبر، وأنا موزع القلب، وماذا يجدى النصح ... ؟!
-ولقد صبرت كثيرا، فلم يفدنى الصبر، فيا أيها الأصدقاء ... لا تقولوا: عاقبة الصبر ظفر كثير ... !!
فلما استراح جسمى الضعيف من مشاق السفر، أظهر لطف الهواء تلك العلل «وبضدها تتبين الأشياء» 1. وهكذا تحملت المتاعب مدة سنة ونصف، بحيث أن وهم بنى آدم يعجز عن إدراك حالتها ويقصر كذلك عن فهم كيفيتها وكميتها.
(1 ) ) صدر هذه الشطرة: «ونذمهم وبهم عرفنا فضله» والبيت من قصيدة للمتنبى يمدح بها أبا على هارون بن عبد العزيز الكاتب (الديوان طبع برلين ص 197) .