قال السرخسي: ( ولهذا لم يقبل علماؤنا خبر الوضوء من مس الذكر ؛ لأنه مخالف للكتاب فإن الله تعالى قال:- ) فيه رجال يحبون أن يتطهروا ((التوبة 108) يعني الاستنجاء بالماء فقد مدحهم بذلك وسمى فعلهم تطهرًا .
ومعلوم أن الاستنجاء بالماء لا يكون إلا بمس الذكر . فالحديث الذي يجعل مسه حدثًا بمنزلة البول ، يكون مخالفًا لما في الكتاب ؛ لأن الفعل الذي هو حدث لا يكون تطهرًا )
المناقشة:- يمكن مناقشة ما ذكره السرخسي على النحو التالي:-
أولًا: الحديث الذي أشار إليه السرخسي هو ( من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ ) ( [100] ) قد ورد بألفاظ متقاربة ومن طرق مختلفة بعضها حسنة وبعضها صحيحة ( [101] ) .
وأما الحديث الذي عارض حديث بسرة فهو حديث طلق بن علي قال: خرجنا إلى نبي الله r وفدًا حتى قدمنا عليه فبايعناه وصلينا معه فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا رسول الله: ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ . فقال: ( وهل هو إلا بضعة أو مضغة منك ) ( [102] )
قال الترمذي ( [103] ) : هذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب .
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة إلى إيجاب الوضوء من مس الذكر ( [104] ) .
وذهب بعض الصحابة والتابعين وبعض الفقهاء كأبي حنيفة والثوري وغيرهما إلى عدم نقض الوضوء بمس الذكر ( [105] ) .
أقول: من هذا العرض الموجز لأقوال العلماء في تصحيح الحديثين أو تضعيفهما أو تصحيح أحدهما دون الآخر ومن ثم اختلافهم في القول بأيهما ، تبين أن سبب الخلاف هو هذا لا ما ذكره متأخرو الحنفية من أن سببه هو مخالفة الحديث لظاهر القرآن .
ومما يؤيد أن هذا هو السبب -وهو تصحيح الحديثين أو تضعيفهما أوأحدهما دون الآخر- أن بعض أهل العلم قد جمع بينهما فقال: يحمل ذكر الوضوء في حديث بسرة على غسل اليدين لا الوضوء الشرعي .