وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب ) .
قال ابن عبدالبر ( [174] ) :(وقوله r توضئوا مما مست النار أمر منه بالوضوء المعهود للصلاة لمن أكل طعامًا مسته النار، وذلك عند أكثر العلماء ، وعند جماعة أئمة الفقهاء منسوخ بأكلهr طعامًا مسته النار وصلاته بعد ذلك دون أن يحدث وضوءًا .
فاستدل العلماء بذلك على أن أمره بالوضوء مما مست النار منسوخ .
وأشكل ذلك على طائفة كثيرة من أهل العلم بالمدينة والبصرة ولم يقفوا على الناسخ في ذلك من المنسوخ أو لم يعرفوا منه غير الوجه الواحد فكانوا يوجبون الوضوء مما مست النار و يتوضأون من ذلك ، وممن روى عنه ذلك زيد بن ثابت وابن عمرو ، وأبو موسى وأبو هريرة وعائشة وأم حبيبة أما المؤمنين ، واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري وعن ابن عمر وأنس بن مالك وبه قال خارجة بن زيد بن ثابت وأبو بكر بن عبد الرحمن وابنه عبد الملك ومحمد ابن المنكدر وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب الزهري فهؤلاء كلهم مدنيون ، وقال به من أهل العراق أبو قلابة وأبو مخلد والحسن البصري ويحيى بن يعمر وهؤلاء كلهم بصريون .
وكان ابن شهاب رحمه الله قد عرف الوجهين جميعًا في ذلك وروى الحديثين المتعارضين في هذا الباب وكان يذهب إلى أن قوله r توضأوا مما غيرت النار ناسخ لفعله المذكور في حديث ابن عباس هذا ومثله وهذا مما غلط فيه الزهري مع سعة علمه وقد ناظره أصحابه في ذلك فقالوا كيف يذهب الناسخ على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون فأجابهم بأن قال: أعيى الفقهاء أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله r من منسوخه ).