تأليف لِسَانِ الدِّينِ بْنِ الْخَطِيبِ «ت: 776 هـ»
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
1 -الحمدُ للَّهِ الذي لا يُنْكِرُهْ ... مَنْ سَرَحَتْ في الكائناتِ فِكَرُهْ
2 -ذِي الفضلِ والقدرةِ والجلالِ ... مخترعُ الخلقِ بلا مثالِ
3 -المَلِكُ الحقُّ بلا نِهَايَهْ ... ومَنْ لهُ في كلِّ شيءٍ آيَهْ
4 -مَنْ رَفَعَ السماءَ منْ غيرِ عَمَدْ ... دونَ مُعِينٍ أوْ ظهيرٍ أوْ وَلَدْ
5 -وبثَّ في الأرضِ على الماءِ زَبَدْ ... نادَتْ بهِ قُدْرَتُهُ اجْمُدْ فَجَمَدْ
6 -وبثَّ فيها وَالِدًا وما وَلَدْ ... يَجْرِي من العُمْرِ لِحَدٍّ وأَمَدْ
7 -فَمِنْ شَقِيٍّ ضَلَّ سعيًا وسَعِيدْ ... ومِنْ قريبٍ منْ رِضَاهُ وبَعِيدْ
8 -وَآمِرٍ يَسْطُو على مأمورِ ... ومُهْتَدٍ يَعْجَبُ منْ مَغْرُورِ
9 -في تَعَبٍ لا ينقضي وجَهْدِ ... وأَرَقٍ مُتَّصِلٍ بعدَ سُهْدِ
10 -أُغْرِيَ عمرٌو منهمُ بِزَيْدِ ... في حِيَلٍ لا تنتهي وَكَيْدِ
11 -ولَذَّةٍ حِسِّيَّةٍ وَهْمِيَّهْ ... وحالةٍ حِلْمِيَّةٍ وَهْمِيَّهْ
12 -حتَّى إذا ما اسْتَيْقَظُوا لمْ يَجِدُوا ... شيئًا من الحُلْمِ الَّذِي قدْ عَهِدُوا
13 -وانْتَبَهُوا كأنَّهُم ما رَقَدُوا ... وحَلَّتِ الأيَّامُ ما قدْ عَقَدُوا
14 -والوعدُ حقٌّ والإلهُ الحاكِمُ ... واللَّهُ لا يَفْلِتُ منهُ الظالمُ
15 -نَسْأَلُهُ التوفيقَ والسَّعَادَهْ ... فالخيرُ للفاعلِ خَيْرًا عَادَهْ
16 -والحمدُ للَّهِ وليِّ الحمدِ ... بحمْدِهِ يُفتحُ بابُ القصْدِ
17 -فَضَّلَ في وُجُودِهِ الإِنْسَانَا ... وواصلَ الإنعامَ والإِحْسَانَا
18 -عَلَّمَنَا سُبْحَانَهُ بالقلمِ ... حتَّى اسْتَفَدْنَا عِلْمَ ما لمْ نَعْلَمِ
19 -كَمْ رَسْمِ عِلْمٍ كانَ لَوْلاهُ دَثَرْ ... من حكمةٍ ومنْ بيانٍ وأَثَرْ
20 -ومنْ لسانٍ واعتقادٍ وخبَرْ ... وعبرةٍ بها لقلبٍ مُعْتَبَرْ
21 -حتَّى علِمْنَا علمَ ما لمْ نَشْهَدِ ... على نَوَى الدارِ وبُعْدِ الأَمَدِ
22 -منْ أُمَمٍ طَوَاهُمُ صَرْفُ الرَّدَى ... وجارَ في الحُكْمِ علَيْهم وَعَدَا
23 -سَطَا على مَنْ رَاحَ مِنْهُمْ وَغَدَا ... فما وَقَى البَأْسُ ولا أَغْنَى النَّدَا
24 -الأمرُ جدُّ ما عَدَا عمَّا بَدَا ... هيهاتَ لا يَلْتَمِسُ الدَّهْرُ فِدَا
25 -كلُّ امرئٍ قَدَّمَ ما قدْ وَجَدَا ... والحاكمُ الدَّيَّانُ والفصْلُ غَدَا
26 -ثمَّ صلاةُ اللَّهِ والسلامُ ... على مَن انْجَابَ بهِ الظلامُ
27 -ووَضُحَتْ بدِينِهِ الأحكامُ ... وعُلِمَ الحلالُ و الحرامُ
28 -المُجْتَبَى منْ خيرِ أصنافِ الأمَمْ ... بُحْبُوحَةِ العزِّ ويَنْبُوعِ الحِكَمْ
29 -خيرِ رسولٍ مُصْطَفًى مُقَرَّبِ ... منْ عَجَمٍ فوقَ الثَّرَى وعَرَبِ
30 -أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بابَ الجَنَّهْ ... يُلْبِسُهُ اللَّهُ ثيابَ المِنَّهْ
31 -ويُرْزَقُ القبولَ والشفَاعَهْ ... في حِزْبِهِ يومَ تقومُ السَّاعَهْ
32 -فَيَا لَهَا منْ حُظْوَةٍ نَفَّاعَهْ ... لقدْ أطاعَ اللَّهَ مَنْ أَطَاعَهْ
33 -أتى وبحرُ الكفرِ طَامِي اللَّجَجِ ... والناسُ منْ ظَلْمَائِهِمْ في ثَبَجِ
34 -فأوضحَ الحقَّ و أبْدَى المَذْهَبَا ... وجمعَ الخلقَ وهُمْ أَيْدِي سَبَا
35 -وأَصْبَحَتْ سامعةً مُطِيعَهْ ... واتَّصَلَ الحبلُ بلا قَطِيعَهْ
36 -وقادَ بالسَّيْفِ إلَيْهَا مَنْ أَبَى ... فَعَمَّرَ الدِّينُ الوِهَادَ والرُّبَى
37 -أَذَلَّ أعناقَ العُتَاةِ قَسْرَا ... وحازَ ما تَحْتَ سَرِيرِ كِسْرَى
38 -ونُقِلَتْ خزائنُ الهِرَقْلِ ... بذا تَلَقَّيْنَا صحيحَ النَّقْلِ
39 -وحلَّ في أَقْصَى حدودِ الغَرْبِ ... مُقْتَدِحًا فيهِ زِنَادَ الحَرْبِ
40 -في كلِّ فجٍّ مسجدٌ ومِنْبَرُ ... وعَلَمٌ لدِينِهِ أوْ أَثَرُ
41 -وراحَ حزبُ اللَّهِ فيها وَغَدَا ... واللَّهُ لا يُخْلِفُ مَهْمَا وَعَدَا
42 -صلَّى عليهِ اللَّهُ ما نَجْمٌ بَدَا ... وما حَمَامُ البانِ في الْبَانِ شَدَا
43 -ورَضِيَ الرحمنُ عنْ أَصْحَابِهِ ... الْوَاثِقِينَ بِعُلَى جَنَابِهِ
44 -أَئِمَّةِ الرُّشْدِ وأعلامِ الهُدَى ... وسُرُجِ الحقِّ وأمطارِ النَّدَى
45 -وبعدُ فالتاريخُ والأخبارُ ... فيهِ لنفسِ الغافلِ اعتبارُ
46 -وفيهِ للمُسْتَبْصِرِ اسْتِبْصَارُ ... كيفَ أتى القومُ وكيفَ صَارُوا
47 -يُجْرِي على الحاضرِ حُكْمَ الغائِبِ ... فَيَثْبُتُ الحقُّ بسَهْمٍ صائِبِ
48 -ويَنْظُرُ الدُّنْيَا بعينِ النُبْلِ ... ويَتْرُكُ الجهلَ لأهلِ الجهْلِ
49 -وإنَّنِي اغْتَرَفْتُ واللَّهُ المُعِينُ ... بالنظمِ منْ مَشْرَعِهِ العَذْبِ المَعِينِ
50 -عُلالَةً قريبةً للحِفْظِ ... يَسَّرْتُ منها في وجيزِ اللَّفْظِ
51 -أَمْلاكَ هذي الدُّولِ المَشْهُورَهْ ... وذكْرَ ما ضَمَّتْ لهُ ضَرُورَهْ
52 -منْ وقعةٍ منقولةٍ مذكورهْ ... أو ثَوْرَةٍ أخبارُها مَأْثُورَهْ
53 -ورُبَّما اسْتَوْفَيْتُ منها الصُّورَهْ ... مشروحةً في نُبْذَةٍ مَنْثُورَهْ
54 -بَدَأْتُ بالنبيِّ ثمَّ الخُلَفَا ... ثمَّ بَنِي أُمَيَّةَ بلا خَفَا
55 -في مَشْرِقٍ ثُمَّةَ في أَنْدَلُسِ ... ثمَّ بَنِي عَبَّاسِهِمْ في نَفَسِ
56 -كأنَّهُم قدْ جُمِعُوا في مجلسِ ... لمْ يَبْقَ منْ أُغْفِلَ منهم أوْ نُسِي
57 -ثمَّ مُلُوكِ التُّرْكِ لَمَّا ظَهَرُوا ... وغَلَبُوا مَنْ دُونَهُمْ وقَهَرُوا
58 -ومَنْ وَلِي بعدَ بَنِي أُمَيَّهْ ... بحِمْصَ أوْ قُرْطَبَةٍ أوْ رَيَّهْ
59 -أو غيْرِها منْ وطنٍ شهيرِ ... يليقُ بالتَّمْلِيكِ والتَّأْمِيرِ
60 -ثمَّ بَنِي الأغلبِ ثمَّ الشِّيعَهْ ... إذْ صارتِ الأرضُ لها مُطِيعَهْ
61 -ثمَّ على الفَرَاغِ منْ مَسُوفَهْ ... دولةِ عبدِ المؤمنِ المعروفَهْ
62 -ثمَّ بني يحيَى بنِ عبدِ الواحِدِ ... كيفَ تَوَلَّوْا وَلَدًا عنْ وَالِدِ
63 -ثمَّ بني زَيَّانَ سَمَتْ ذِكْرًا ... أَجْرَيْتُهُمْ منْ بعدُ هذا المَجْرَى
64 -ثمَّ الملوكِ منْ بني المَرِينِ ... فطَالَمَا هَبُّوا لنَصْرِ الدِّينِ
65 -ثمَّ بني نَصْرٍ على الترتيبِ ... في مَأْخَذٍ مُهَذَّبٍ قَرِيبِ
66 -فوائدٌ مُقْرِبَةٌ ومُغْرِبَهْ ... يَكْسَبُ منها المرءُ عقلَ التَّجْرِبَهْ
67 -واللَّهُ رَبُّنَا وَلِيُّ العِصْمَهْ ... بِيَدِهِ الكثيرُ ومنهُ النِّعْمَهْ
68 -وها أنا أَبْتَدِئُ التَّقْيِيدَا ... وأستعينُ المُبْدِئَ المُعِيدَا