605 -أَوَّلُ هذا البيتِ عبدُ الواحِدِ ... وفضْلُهُ ليسَ لهُ منْ جاحِدِ
606 -قَدَّمَهُ الناصرُ فيها آمِرَا ... ثمَّ عَلا وصَارَ مَلِكًا قَاهِرَا
607 -وكانَ حَازِمًا شديدَ اليَقَظَهْ ... لا يُهْمِلُ التَّافِهَ ولا لَحْظَهْ
608 -ونالَ أَبْكَارَ المُنَى وَعُونَهُ ... لكِنَّهُ لمْ يَسْتَبِدَّ دُونَهُ
609 -ثمَّ ابْنُهُ يحيى هوَ الذي مَلَكْ ... وسلكَ السَّعْدُ بهِ حيثُ سَلَكْ
610 -وهوَ الذي اسْتَبَدَّ بالأمورِ ... وحازَها ببَيْعَةِ الجُمْهُورِ
611 -وعَظُمَتْ في صُقْعِهِ آثَارُهُ ... ونالَ مُلْكًا عاليًا مِقْدَارُهُ
612 -ودامَ في الأمرِ سِنِينَ عِدَّهْ ... فاكتسبَ المالَ بها والعُدَّهْ
613 -ما كسبَ الأمْلاكُ يومًا ما كَسَبْ ... منْ عَدَدٍ ومنْ لُجَيْنٍ وذَهَبْ
614 -وكانَ ذا عقلٍ وفضلٍ وأَدَبْ ... إلى دَهَاءٍ ساسَ أحوالَ العَرَبْ
615 -ثمَّ تولَّى بَعْدَهُ المُسْتَنْصِرُ ... وَهُوَ الذي عَلْيَاهُ لا تَنْحَصِرُ
616 -أَصَابَ مُلْكًا رَاسِيًا سُلْطَانُهُ ... وفاقَ عِزًّا سَامِيًا مَكَانُهُ
617 -ودولةً أمْوَالُهَا مَجْمُوعَهْ ... وطاعةً أَقْوَالُهَا مَسْمُوعَهْ
618 -فلمْ يَخَفْ منْ عَقْدِهَا انْتِكَاثَا ... وعَاثَ في أَمْوَالِهَا عِيَاثَا
619 -هَبَّتْ بِعِزِّ نَصْرِهِ الرِّياحُ ... وشَقِيَتْ بسَعْدِهِ رِيَاحُ
620 -وألْقَتِ الدُّنيا لهُ القِيَادَا ... فأَصْبَحَتْ أيَّامُهُ أَعْيَادَا
621 -وَنَزَلَ الفِرِنْجُ في أَيَّامِهِ ... فَطَرَقُوا الضِّرْغَامَ في آجَامِهِ
622 -فَصَابَرَ الخَطْبَ بعَزْمٍ ظَافِرِ ... وصَالَحَ الرُّومَ بِمَالٍ وَافِرِ
623 -فَانْصَرَفُوا لِذَاكَ عنْ بِلادِهِ ... يَحْكُونَ ما رَأَوْا منِ اسْتِعْدَادِهِ
624 -حتَّى إذا ما حَقَّتِ الحَقَائِقُ ... وعَاقَتِ العُمْرَ بهِ العَوَائِقُ
625 -قامَ ابْنُهُ منْ بعدُ يَحْيَى الوَاثِقُ ... فَاشْتَبَهَتْ منْ أَمْرِهِ الطَّرَائِقُ
626 -سَطَا عليهِ العمُّ إبراهيمُ ... والمُلْكُ في أَرْبَابِهِ عَقِيمُ
627 -فَابْتَزَّ منهُ مُلْكَهُ وانْتَزَعَهْ ... واغْتَالَهُ منْ بعدِ ما قدْ خَلَعَهْ
628 -وصارَ في لهوٍ وزَهْوٍ وطَرَبْ ... مُمَتَّعًا في السِّنِّ منْ كلِّ أَرَبْ
629 -لمْ يَبْدُ نَجْمُ أمْرِهِ حتَّى غَرَبْ ... وأقبلَ الخَيَّاطُ في جَيْشِ العَرَبْ
630 -فلمْ يَدَعْ أنْ سَلَبَ الإِمَارَهْ ... عنهُ الدَّاعِي ابنُ أَبِي عِمَارَهْ
631 -غَرِيبَةٌ منْ لُعَبِ اللَّيَالِي ... ما خَطَرَتْ لعاقلٍ ببالِ
632 -واخْتَرَمَ السيفَ أَبَا إِسْحَاقَا ... وكمْ هلالٍ لَقِيَ المُحَاقَا
633 -واضْطَرَبَتْ على الدَّعِيِّ الحَالُ ... والحقُّ لا يَغْلِبُهُ المُحَالُ
634 -ثمَّ أبو حفصٍ سَمَا عنْ قُرْبِ ... فَصَيَّرَ الدَّعِيَّ رَهْنَ التُّرْبِ
635 -بعدَ قتالٍ دائمٍ وحَرْبِ ... بأيِّ طعنٍ وبأيِّ ضَرْبِ
636 -فَجَمَعَ الدولةَ منْ بعدِ افْتِرَاقِ ... وصَيَّرَ الأمرَ إلى خيرِ اتِّسَاقِ
637 -لمْ يُلْفِ مَالًا لا ولا ذَخِيرَهْ ... منْ أَجْلِ تلكَ الفتنةِ المُبِيرَهْ
638 -ورَجَعَ المُلْكُ إلى أَهْلِيهِ ... إذْ حَازَهُ مُحَمَّدٌ تَالِيهِ
639 -وَهُوَ الذي يُدْعى أَبَا عَصِيدَهْ ... أيَّامُهُ مَيْمُونَةٌ سَعِيدَهْ
640 -مُحَمَّدٌ منْ جِلَّةِ الملوكِ ... ودُرَّةٌ منْ دُرَرِ السُّلُوكِ
641 -الفضلُ والحياءُ والعَفَافُ ... فلمْ يَقَعْ في أَمْرِهِ اختلافُ
642 -ثمَّ الشهيدُ والأميرُ خالِدُ ... أبو الْبَقَاءِ وهوَ نَدْبٌ مَاجِدُ
643 -وَأَقْفَرَتْ لِعَهْدِهِ المَعَاهِدُ ... هَيْهَاتَ ما في الدهرِ حَيٌّ خَالِدُ
644 -حلَّ أَبُو يحيى بهِ اللَّحْيَانِي ... فلمْ يكُنْ في قَتْلِهِ بِالْوَانِي
645 -ثمَّ تولَّى ثَانِيَ العَنَانِ ... وحلَّ بالمشْرِقِ غيرَ وَانِي
646 -وكانَ شيخَ القومِ في الزمانِ ... ومنْ أُولِي المجدِ الرفيعِ الشَّانِ
647 -وصارَ أَمْرُ تُونِسٍ منْ بَعْدِهِ ... إلى أبي يَحْيَى بحُكْمِ سَعْدِهِ
648 -وَهُوَ أبو يحيى أبو بكرِ الرِّضَى ... بَدْرُ الهُدَى غَيْثُ النَّدَا لَيْثُ الغَضَا
649 -أيُّ شجاعٍ رابطِ الفؤادِ ... أَفْرَسُ مَنْ جَالَ على جَوَادِ
650 -وأيُّ مُزْنٍ وَاكْفِ العِهَادِ ... يَهْمِي على الهِضَابِ والوِهَادِ
651 -وزَاحَمَتْهُ جملةٌ منْ قومِهِ ... فلمْ تُنَبِّهْ جَفْنَهُ منْ نَوْمِهِ
652 -ابنُ الشهيدِ ابنِ أبي عِمْرَانِ ... منْ بعدِ عبدِ الواحدِ اللَّمْتَانِي
653 -وكُلُّهم ما قَامَ فيها بلْ قَعَدْ ... أَخْلَفَهُ الدهرُ الذي كانَ وَعَدْ
654 -فَبَاشَرَ الحربَ بعزمٍ صادِقِ ... وَواصلَ الإقدامَ في المَضَائِقِ
655 -ونَهَلَتْ منهُ الطُّوَالُ السُّمْرُ ... والسَّعْدُ يحمي أَمْرَهُ والعُمْرُ
656 -حتَّى انْجَلَى الخَطْبُ وزالَ الذُّعْرُ ... وساعدَ الجِدُّ وأَغْفَى الدهْرُ
657 -ونالَ منْ لَذَّاتِهِ مُنَاهُ ... واستعجلَ النعيمَ في دُنْيَاهُ
658 -وعنْدَما حلَّ بهِ الحِمَامُ ... وفَعَلَتْ أفْعَالَها الأيَّامُ
659 -تَغَلَّبَ ابْنُهُ المُسَمَّى بِعُمَرْ ... وكانَ مَوْصُوفًا بفَتْكٍ وَبَطَرْ
660 -فاسْتَشْعَرَ الخَشْيَةَ لَمَّا أنْ مَلَكَ ... وبأَخِيهِ صاحبِ العهدِ فَتَكْ
661 -واضْطَرَبَ الأمرُ وَجَلَّ الخَطْبُ ... وَلَقَحَتْ في الفِئَتَيْنِ الحَرْبُ
662 -وَعَانَتِ العُرْبَانُ في ذاكَ الوطَنْ ... وأظهرَ المُلْكُ بهم ضِيقَ العَطَنْ
663 -وانْتَظَرَ الميقاتَ فيها وَارْتَقَبْ ... غُزَاتُها الْجَارُ الأَحَقُّ بالصَّقَبْ
664 -فانتزعَ الدولةَ منْ أَهْلِيهَا ... واسْتَخْلَصَ الدارَ وَمَنْ يَلِيهَا
665 -وجَدَّلَتَ عُمَرَ بعضُ الحِصَصِ ... ومَشْرَبُ الدهرِ فظيعُ الغُصَصِ
666 -وحَدَثَتْ منْ بَعْدِهِ الحوادثُ ... وجدَّ بالقومِ الزمانُ العابِثُ
667 -حتَّى إذا ما ارْتَحَلَ السُّلْطَانُ ... وفسدتِ الأرضُ والأوطانُ
668 -بادَرَهَا الفضلُ فبانَ الشَّانُ ... ومَلَكَتْ أُمُورَهَا العُرْبَانُ
669 -ولَقِيَ الفَضْلُ بها خَسَارَا ... ثمَّ إلى الحَيْنِ سريعًا صَارَا
670 -وقامَ إبراهيمُ فيها بعْدَهْ ... وَهْوَ باقٍ لِهَذِي المُدَّهْ
671 -جَرَتْ أُمُورُهُ على حِدَادِ ... بعدَ عِيَاثِ العُرْبِ في البِلادِ
672 -سياسةُ الشيخِ أبي مُحَمَّدِ ... الناجحِ الرأيِ السعيدِ المَوْلِدِ
673 -قَسِيمُهُم في المُنْتَمَى والمَحْتِدِ ... وحافظُ السَّرْحِ وحَامِي البَلَدِ
674 -وواحِدُ المَجْدِ البعيدِ الأَمَدِ ... ونَاشِرُ الفَخْرِ الرَّفِيعِ العَمَدِ
675 -وفي بِجَايَةٍ أَقَرَّ أَمْرَهْ ... وانفردَ الشيخُ بأمرِ الحَضْرَهْ
676 -إذْ عادَ منها مُزْعَجًا بِابْنِ أَخِيهْ ... ثمَّ لمْ يَمْنَعْهُ مِيراثُ أَبِيهْ
677 -منْ بعدِ ما حصَّنَ بالأَسْوَارِ ... تُونِسَ واستقرَّ في قَرَارِ
678 -وثَابَتِ الحالُ لعَهْدِ العَهْدِ ... ولمْ يُقْصَرْ عنْ بلوغِ جَهْدِ
679 -بعدَ وفاةِ الشيخِ أَثَّرَتْ يَدُهْ ... وطابَ فيها يَوْمُهُ وغَدُهْ
680 -وسَاسَها وسَدَّدَ الأَحْوَالا ... وضمَّ بالعزمِ العُلا والمَالا
681 -وكانَ فَذًّا في مَزَايَا جَمَّهْ ... تَاللَّهِ ما أَنْصَفَهُ مَنْ ذَمَّهْ
682 -يُفْرَقُ بينَ يَوْمِهِ وأَمْسِهْ ... مُبَاشِرًا أُمُورَهُ بِنَفْسِهْ
683 -وأفصحُ الناسِ لِسانًا إنْ نَطَقْ ... ألفاظُهُ الدُّرُّ إذا الدُّرُّ اتَّسَقْ
684 -وينظمُ الشعرَ ويُدْنِي أهْلَهُ ... والظَّرْفُ لا يَجْهَلُ يَوْمًا سُبْلَهُ
685 -لكنْ طَغَى الكونُ على جُثْمَانِهِ ... فلمْ يَكُنْ يستطيعُ بعضَ شَانِهِ
686 -فنزلَ الحَيْنُ عليهِ فَجْأَهْ ... وباءَ منْ صَدَعَتْهُ بِوَجْأَهْ
687 -شانَ اللَّيَالِي يا لهُ منْ شَانِ ... والعِزُّ والبقاءُ للرحمنِ
688 -فصارَ منْ بعدِ الوجودِ عَدَمَا ... ... وخالدٌ منْ بَعْدِهِ تَقَدَّمَا
689 -وَهْوَ لهذا العهدِ فِينَا باقِ ... في وطنٍ قدْ ماجَ بالنِّفَاقِ
690 -حَضْرَتُهُ تُذْكَرُ في الآفاقِ ... تُنْسِي بلادَ الشامِ والعِرَاقِ
691 -غَيَّرَهَا الدهرُ فَأَبْلَى الجِدَّهْ ... وكَابَدَتْ بعدَ الرخاءِ الشِّدَّهْ
692 -واللَّهُ يُجْزِيهِ على السَّدَادِ ... فَهْوَ الخفيُّ اللُّطْفِ للعبادِ
«عبدُ الواحدِ مُؤَسِّسُ دَوْلَةِ بَنِي أبي حَفْصٍ»
قَوْلِي: «أَوَّلُ هذا البيتِ عَبْدُ الوَاحِدِ»
هوَ عبدُ الواحدِ بنُ أبي حفصٍ عُمَرَ بنِ عبدِ الواحدِ، منْ أصحابِ الإمامِ المَهْدِيِّ، وقَبِيلَتُهُم هَنْتَاتَةُ، وعَدَّهُمْ سابقُ بنُ سُلَيْمَانَ النَّسَّابَةُ منْ عِدَادِ قَبَائِلِ السُّوسِ منْ وَلَدِ صِنْهَاجِ بنِ عَامِيلِ بنِ زَعْزَاعٍ. ولَمَّا تَوَطَّدَ لهُ الأمرُ كانَ عبدُ الواحدِ من الثمانيَةِ أهلِ دارِ المَهْدِيِّ، ولَمَّا خرجَ الناصرُ إلى أَفْرِيقِيَّةَ في أَوَاسِطِ جُمَادَى الآخِرَةِ.