362 -وحينَ راعَ الدهرُ آلَ حَرْبِ ... بكُلِّ طَعْنٍ فيهمُ وضَرْبِ
363 -وانْتَبَهَ الدهرُ لهمْ وَانْتَهَبَا ... تَفَرَّقُوا وأَصْبَحُوا أَيْدِي سَبَا
364 -وَسَلِمَتْ منْ فَلِّهِمْ رِجَالُ ... كَفَتْهُمُ السُّعُودُ والآجَالُ
365 -ضاقَ بهمْ للقَدَرِ المَجَالُ ... فانْتَقَلُوا في مَغْرِبٍ وجَالُوا
366 -وحَلَّتِ الفتنةُ في أنْدَلُسِ ... فأصْبَحَتْ فريسةَ المُفْتَرِسِ
367 -وغَمَرَ الهولُ كَقِطْعِ اللَّيْلِ ... بفتنةِ الفِهْرِيِّ والصَّهِيلِ
368 -فأسرعَ السيرَ إليها وابْتَدَرْ ... وكلُّ شيءٍ بقضاءٍ وقدَرْ
369 -صَقْرُ قريشٍ عابدُ الرحمَنِ ... بانِي المعالِي لبنِي مَرْوَانِ
370 -مَنْ أَسَّسَ المُلْكَ بها لِوُلْدهْ ... وقَصَّرَتْ أضْدَادُهُ عنْ أَمْدِهْ
371 -وحازَ كلَّ شِيمَةٍ كريمَهْ ... لَيْثُ الوَغَى وفي المُحُولِ دِيمَهْ
372 -أيُّ دهاءٍ وعفافٍ ولَسَنْ ... فانْقَادَتِ الدُّنيا إليهِ برَسَنْ
373 -جَدَّ إلى الفِهْرِيِّ حتَّى جَدَّلَهْ ... ونالَ حدُّ السيفِ ما قدْ حُدَّ لَهْ
374 -ثمَّ غَزَا فنالَ عِزًّا وظَفَرْ ... وعَزَّ في حَالَيْ مُقَامٍ وسَفَرْ
375 -والدهرُ لا يُبْقِي امْرَءًا ولا يَذَرْ ... إنْ كانَ عَيْنًا فَهُوَ اليَوْمَ أَثَرْ
376 -حتَّى إذا حَلَّ بهِ الحِمَامُ ... قامَ ابْنُهُ منْ بَعْدِهِ هشامُ
377 -هوَ الرَّضِيُّ العدلُ في أحْكَامِهِ ... تُثْنِي التواريخُ على أيَّامِهِ
378 -في اللَّهِ كانَ جُودُهُ وبَأْسُهُ ... وأَكْلُهُ بالشرعِ أوْ لِبَاسُهُ
379 -وعَدْلُهُ بينَ الرَّعَايَا قَائِمُ ... وعِزُّهُ مُتَّصِلٌ ودَائِمُ
380 -ولقيَ اللَّهَ على خيرِ عَمَلْ ... صَدَّتْهُ كفُّ الدهرِ عنْ كلِّ أَمَلْ
381 -حتَّى إذا الدهرُ عليهِ احْتَكَمَا ... قامَ ابْنُهُ بها المُسَمَّى حَكَمَا
382 -وكانَ جَبَّارًا شديدَ الْبَاسِ ... فَانْتَكَثَتْ طَاعَتُهُ في النَّاسِ
383 -واسْتَشْعَرَ النَّفْرَةَ عنهُ فَانْقَبَضْ ... مُسْتَوْحِشًا كاللَّيْثِ أَقْعَى ورَبَضْ
384 -حتَّى إذا فُرْصَتُهُ لاحَتْ نَهَضْ ... فَأَفْحَشَ الوَقْعَةَ منْ أَهْلِ الرَّبَضْ
385 -لمْ يَرْعَ منْ آلٍ بِهَا وذِمَّهْ ... إذْ كانَ جَبَّارًا بعيدَ الهِمَّهْ
386 -وعندَما لَذَّتْ لهُ أيَّامُهُ ... دَعَاهُ فَانْقَادَ لهُ حِمَامُهُ
387 -لمْ تُغْنِ عنهُ نَفْسُهُ الأَبِيَّهْ ... إذْ أَنْشَبَتْ أظْفَارَهَا المَنِيَّهْ
388 -وعابدُ الرحمنِ مِنْ بَعْدُ وَلِي ... أيُّ نصيرٍ للمَعَالِي وَوَلِي
389 -ما شِئْتَ منْ مجدٍ وحُسْنِ سِيرَهْ ... ومنْ خِلالٍ بَرَّةٍ أَثِيرَهْ
390 -فَنَبَهَتْ في عَهْدِهِ الألْقَابُ ... وحُطَّ منْ وَجْهِ العُلَى النِّقَابُ
391 -وظَهَرَتِ الولاةُ والخُدَّامُ ... ورَسَخَتْ في النِّعْمَةِ الأقْدَامُ
392 -وسَاعَدَ السَّعْدُ وأَغْضَى الدَّهْرُ ... وخَلُصَ السِّرُّ لهُ والجهْرُ
393 -ثمَّ انقضى الأمرُ وتمَّ الأَمَدُ ... وقامَ بالأمرِ ابْنُهُ مُحَمَّدُ
394 -وعَظُمَتْ في مُلْكِهِ الآثارُ ... وانتشرتْ في عهْدِهِ الثُّوَّارُ
395 -فيهِ طَغَى أمرُ ابنِ حَفْصُونَ عُمَرْ ... ومَنْ سِوَاهُ كانَ أَدْهَى وَأَمَرْ
396 -والمُنْذِرُ ابْنُهُ أَتَى مِنْ بَعْدِهِ ... كالسيفِ سُلَّ نَصْلُهُ منْ غِمْدِهِ
397 -فَنَازَلَ المَارِقَ حتَّى حَصَرَهْ ... لولا حِمَامٌ في المُقَامِ ابْتَدَرَهْ
398 -فَانْفَرَجَ الحَصْرُ عن المَحْصُورِ ... لِحَيْنِ ذاكَ الأَسَدِ الهَصُورِ
399 -ثمَّ تَلاهُ الأخُ عبدُ اللَّهِ ... فَبَلَغَ القَهْرُ بهِ التَّنَاهِي
400 -ولمْ يَبْقَ في يَدَيْهِ إلاَّ الحَضْرَهْ ... وأَمْسَكَ اللَّهُ عليهِ أَمْرَهْ
401 -وَاسْتَلأَمَ العَزْمَ فَعَزَّ وظَهَرْ ... وواصلَ الجِدَّ وبالحَزْمِ اشْتَهَرْ
402 -وكابدَ الفُتُونَ حتَّى سَدَّهَا ... وقارعَ الأهوالَ حتَّى رَدَّها
403 -وقامَ بالأمرِ الحفيدُ الناصِرُ ... والناسُ محصورٌ بها وحاصِرُ
404 -فأقبلَ السَّعْدُ وجاءَ النصرُ ... وأشرقَ الأُفْقُ وضاءَ القصْرُ
405 -وعادتِ الأيَّامُ في شَبَابِ ... وأصبحَ العدوُّ في تَبَابِ
406 -سَطَا وأَعْطَى وتَعَاطَى وَوَفَى ... وكلُّ ما أَقْدَرَهُ اللَّهُ كَفَى
407 -وقادَ مَنْ خَالَفَ فيها وانْتَزَى ... وحاربَ الكُفَّارَ دَأْبًا وغَزَا
408 -وأَوْقَعَ الرُّومَ بهِ في الخَنْدَقِ ... فانْقَلَبَ المُلْكُ بسَعْيِ المُخْفِقِ
409 -واتَّصَلَتْ منْ بَعْدِ ذَا فُتُوحُ ... تَغْدُو عليهِ الدهرُ أوْ تَرُوحُ
410 -واغْتَنَمُوا السِّلْمَ لهذا الحِينِ ... ووَصَلَتْ أَرْسَالُ قُسْطَنْطِينِ
411 -وساعدَ السَّعْدُ فعادَ وانْثَنَى ... ثُمَّ بَنَى الزَّهْرَاءَ فِيمَا قَدْ بَنَى
412 -حتَّى إذا ما كَمُلَتْ أيَّامُهُ ... سُبْحَانَ مَنْ لا يَنْقَضِي دَوَامُهُ
413 -ضَمَّ الأمورَ الحَكَمُ المُنْتَصِرُ ... وَهُوَ الذي عُلْيَاهُ لا تَنْحَصِرُ
414 -كانَ حليمًا عالمًا خَبِيرَا ... وبالحروبِ أَحْكَمَ التَّدْبِيرَا
415 -قدِ اقْتَنَى خزائنَ العلومِ ... وحضَّ أهلَها على القُدُومِ
416 -واخْتَلَفَتْ أيَّامُهُ المُمَهَّدَهْ ... وبَهَرَتْ آثَارُهُ المُخَلَّدَهْ
417 -وخَاطَبَتْ سُدَّتَهُ المُلُوكُ ... وانْتَظَمَتْ بحَمْدِهِ السُّلُوكُ
418 -حتَّى إذا حلَّ بهِ الحِمَامُ ... بُويِعَ منْ بعدُ ابْنُهُ هِشَامُ
419 -هذا هوَ المُؤَيَّدُ المَحْجُوبُ ... وسَفَرَتْ منْ بَعْدِهِ الخُطُوبُ
420 -حَجَبَهُ منصورُ آلِ عَامِرِ ... فليسَ بالناهي ولا بالآمِرِ
421 -وخُبِّرَ المنصورُ أَحْلَى خَبَرِ ... وعِبْرَةٌ بَانَتْ إلى المُعْتَبِرِ
422 -الحَزْمُ والنَّجْدَةُ والكِفَايَهْ ... والبَطْشُ والهِمَّةُ والإِبَانَهْ
423 -لمْ يَبْقَ في الدولةِ رَسْمًا لِسِوَاهُ ... وصارَ في تَبْدِيلِهَا طَوْعَ هَوَاهُ
424 -وصَرَفَ العزمَ إلى غَزْوِ العِدَا ... وَرَاحَ مَنْصُورَ اللِّوَاءِ وَغَدَا
425 -وكادَ دِينُ الكفرِ أنْ يَلْقَى الرَّدَى ... ويَنْجَلِي اللَّيْلُ بأَنْوَارِ الهُدَى
426 -لكنْ أَتَاهُ ما أَتَى مَنْ قَبْلَهُ ... وقَطَعَتْ أَيْدِي المَنُونِ حَبْلَهُ
427 -وَابْنَاهُ منْ بعدُ أَقَامَا الرَّسْمَا ... وأَكَلا التُّرَاثَ أَكْلًا لَمَّا
428 -ثمَّ مَحَا الخلافةَ الخِلافُ ... فلمْ يَكُنْ منْ بَعْدِهِ ائْتِلافُ
429 -فغَلَبَ الأمرَ المُسَمَّى المَهْدِي ... وأصبحَ الدِّينُ بهِ في جَهْدِ
430 -قامَ يُزِيلُ الوَهْنَ عنْ هِشَامِ ... مُمْتَعِضًا لحُرْمَةِ الإمامِ
431 -وَرَامَ تجديدًا لأَمْرٍ وَلَّى ... وهلْ يعودُ الشيخُ طِفْلًا كَلاَّ
432 -فَأَنْفَقَ الأموالَ والذَّخِيرَهْ ... وأَفْقَرَ الخلافةَ الكَبِيرَهْ
433 -حتَّى إذا اسْتَقَلَّ فيها وحَكَمْ ... نَعَى إلى الناسِ هِشَامَ بنَ الحَكَمْ
434 -وقالَ في المَحْجُوبِ إِنَّهُ هَلَكْ ... فَخَلُصَ الأمرُ لهُ لَمَّا مَلَكْ
435 -ولمْ يكُنْ مَاتَ ولَكِنْ غُيِّبَا ... ويَجْعَلُ اللَّهُ لكلٍّ سَبَبَا
436 -وخافَ منْ سَطْوَتِهِ المَغَارِبَهْ ... فَأَصْبَحَتْ لأَمْرِهِ مُحَارِبَهْ
437 -وقَدَّمُوا عليهمُ سُلَيْمَانْ ... منْ بعدِ ما أعْطَوْهُ صَفْوَ الأَيْمَانْ
438 -فَانْتَهَبُوا البسيطةَ انْتِهَابَا ... وصَيَّرُوا الخلقَ بها أَسْلابَا
439 -واسْتَنْجَدُوا من الفِرِنْجِ جَمْعَا ... أَبْلَوْهُ منهم طَاعَةً وسَمْعَا
440 -واسْتَسْلَمَ المهديُّ بعدُ وانْخَلَعْ ... ولمْ يَزَلْ مُسْتَتِرًا حَتَّى طَلَعْ
441 -وبعدَ ذَا أَوْقَعَ فِيهِمْ وَقْعَهْ ... فَجُدِّلَتْ أبْطَالُهُم في بُقْعَهْ
442 -واتَّبَعَ القومَ لِيُرْدِي مَنْ بَقِي ... فَجَالَدَتْهُ بِبَقَاءِ الرَّمَقِ
443 -فَهَزَمُوا منْ بَعْدِ صَبْرٍ جَمْعَهْ ... ورُزِقُوا النصرَ عليهِ دُفْعَهْ
444 -ثمَّ سُليمانُ إلى المُلْكِ رَجَعْ ... نَبَّهَهُ الدهرُ وقدْ كانَ هَجَعْ
445 -وكانَ شاعرًا ومنْ أهلِ اللَّسَنْ ... وقَيَّضَ اللَّهُ لهُ أبا الحسَنْ
446 -وهْوَ ابنُ حَمُّودٍ أَتَى مِنْ سَبْتَهْ ... وسببُ العِزِّ لهُ قدْ بَتَّهْ
447 -صالَ عليهِ طَالِبًا دمَ هِشَامْ ... وَقَلَّمَا نِيمَ عن الثَأْرِ ونَامْ
448 -فَجَدَّلَ الابْنَ وَثَنَّى بالأَبِ ... بِيَدِهِ مُبَيِّنًا للسَّبَبِ
449 -واسْتَوْثَقَ الأمرُ قَليلًا وانْتَظَمْ ... وانتصرَ الدهرُ بهِ مِمَّنْ ظَلَمْ
450 -وأَغْلَظَ الأحكامَ في بَرْبَرِهِ ... وغَلَبَ الناسَ على سَبْرِهِ
451 -واغْتَالَهُ الصَّقْلَبُ في حَمَّامِهِ ... فَجَرَّعُوهُ [الصِّرْفَ] منْ حِمَامِهِ
452 -وقامَ بالأمرِ أَخُوهُ القاسِمُ ... فَوَضُحَتْ بمُلْكِهِ المَرَاسِمُ
453 -ثمَّ انْبَرَى يَحْيَى إليهِ بالطَّلَبْ ... فأسلمَ الأمرَ وَشِيكًا وانقلَبْ
454 -حتَّى إذا يحيَى مَضَى عَلانِيَهْ ... تَآمَرَ القاسمُ فيها ثَانِيَهْ
455 -والمُرْتَضِي بُويِعَ في شَرْقِ الوَطَنْ ... ثمَّ بَدَا منْ غَدْرِهِ ما قدْ بَطَنْ
456 -أَسْلَمَهُ في المُلْتَقَى المَمَالِكْ ... فَفَغَرَتْ أفْوَاهَهَا المَهَالِكْ
457 -وبَايَعُوا في الحَضْرَةِ المُسْتَظْهِرَا ... ما اسْتَكْمَلَ التقديمَ حتَّى أَخَّرَا
458 -وبَايَعُوا منْ بعدُ للمُسْتَكْفِي ... خلافةً قدْ قَنِعَتْ بخُلْفِ
459 -ثمَّ أَتَى هشامٌ المُعْتَدُّ ... والخطبُ في آفاقِهَا يَشْتَدُّ
460 -فخانَ هذا الشيخُ بعدُ الجَدُّ ... والقَدَرُ المحتومُ لا يُرَدُّ
461 -ثمَّ انْقَضَى القومُ وتمَّ العَدُّ ... فلمْ يكُنْ أمرٌ لهم منْ بَعْدُ