هناك فرق كبير - كما يبدو لكل إنسان يسمعناهذا الحديث بين ملوك فارس (كسرى) يجلس على عرشه المُفخَّم، وحوله حاشيته ووزراءه قياما، وهو يجلس تعاظُمًا، وهم يقومون تعظيما له، بين هذه الظاهرة من جلوس الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاة وليس خارج الصلاة، ومضطّرّا وليس اختيارا، وقيام الصحابة أيضا في الصلاة وليس في المجلس، ايضًا مضطرِّين طاعة لرب العالمين، يقومون لله قانتين، أين هذه الظاهرة من تلك، شتَّان ما بينهما، ومع ذلك قال لهم - صلى الله عليه وسلم: (يقومون على رؤوس ملوكهم) يا رسول الله هم يقومون تعظيما لمَلِكهم شبه العبادة، لكنهم يفهمون أن هناك أمور مُحرّمة لذاتها، وأمور أخرى محرَّمة بغيرها لأنها تؤدّي إلى فعل محرَّم، من ذلك تبنّي المسلمين عادات الأجانب، وعادات الأعاجم، فمن هذه العادات هذا القيام الذي ابتُليَ به جماهير المسلمين اليوم والسبب -تعرفونه جميعا- وهو: الابتعاد عن السنَّة وعن الاهتداء بهدي السلف الصالح، وهذا بحث طويل، ولا أريد الاستمرار فيه لنترك المجال لضيفنا الكريم ليُلقي ما شاء الله -عز وجل - أن يُلقي عليكم من الفوائد وإّنما أختم هذه الكلمة بقصة فيها علم وفيها طرافة وفيها فائدة.
يذكر أهلُ التاريخ في ترجمة أبي عبد الله بن بطة من كبار علماء الحديث والحنابلة أنّه كان يكره أشد الكراهة هذا القيام الذي اعتاده الناس اليوم وقبل اليوم بمئات السنين، فخرج ذات يوم مع صديق له شاعر إلى السوق، فمرَّا برجل عالم جالس في محله -وهذا من أدب العلماء قديما كانوا يعتمدون في تحصيلهم لرزقهم على كدّ يمينهم وعرق جبينهم- فمروا بهذا العالم مُسَلِّمين، فقام هذا العالم لابن بطة، فقال ابنُ بطة لصاحبه الشاعر: - قبل ذلك قام العالم وهو يعلم أن ابن بطة يكره هذا القيام على نحو ما تسمعون الآن - فاعتذر إليه ببيتين من الشعر، قال له:
"لا تلُمني على القيام فحقّي *** حين تبدو ألّا أملَّ القياما"