لكن الحقيقة أن هذه النُّقطة يجب ألَّا يتورَّط المسلم أن يُبرر لنفسه مقاطعة أخيه المسلم بحُجَّة أن هذه المقاطعة إنَّما يدفع إليها انتصار الشرع، النفس أمَّارة بالسوء فينبغي على المسلم أن ينتبه لما وقع فيه من المقاطعة والمُهاجرة هل هي حقَّا في سبيل الله -عز وجل- فتكون جائزة أم هي انتصار للنفس فتكون محرَّمة إلّا أن هذا التحريم هو بعد الثلاث ليال، وهنا نُكتة ولطيفة من لطائف الشرع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حدَّد الهجرة المُحرَّمة بعد الثلاث، ومعنى هذا أن الهجرة قبل الثلاث جائزة ولو كانت انتصارًا للنفس وذلك من لطف الله -عز وجل- لعباده؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه فجأة وكأن الشارع الحكيم رخَّص للإنسان فيما إذا غُلِب على أمره، ووصل الأمر به إلى أن يهجر أخاه المسلم فتسامح الشارع معه أن يهجر أخاه المسلم ثلاث ليال فقط، أمَّا بعد الثلاث ليالي فذلك حرام، كأن الشارع يقول سمحنا لك بثلاث ليال فحسبُك هذا فما بعد الثلاث فإذا استمررت على مهاجرة أخيك المسلم فأنت عاصٍ مرتكب لمُحرَّم.
حديث عطاء بن المزيد الليثي ثم الجندعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لا يحل لأحد أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصُد ويصُدُّ هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) فهذه الجملة الأخيرة تضمَّنت هذا الخبر الشرعي، إذا تهاجرا اثنان ووصلت بهما المهاجرة أنهما إذا التقيا فهذا يُعرِض عن هذا وهذا يُعرِض عن هذا بُغضا وحِقدا، وهذا مُحرَّم بعد ثلاث ليال، فمن خير هذين المتهاجرين؟؟، قال: من يبدأ بالسلام، هذا هو الأفضل لأنه يُجاهد نفسه ويحملها على مواصلة أخيه من جديد و [يهضم] نفسه ولا يثأر لها بعد الثلاث ليال، فقال عليه السلام في وصف التهاجر: (يلتقيان فيصد ويصدُّ هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) .