هذا الحديث من أحاديث عديدة ذكرها المؤلف -رحمه الله- في هذا الباب في النهي عن مصارمة المسلم للمسلم، الصِّرام: هو المقاطعة، ولكن هذا الحديث من أشدِّ الأحاديث التي الواردة في هذا الباب تحذيرا وتنفيرا عن هذا الذنب، حيث انَّه تضمَّن إخبارا لم يسبق أن ذكره عليه الصلاة والسلام في الأحاديث السابقة، فهو بالإضافة إلى أنَّه قال:
(لا يحلُّ) أي يَحرُم للمسلم
(أن يُصارم) : أي يُقاطع مسلما
(فوق ثلاث) : أي ليال
فعلَّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذا النهي بل هذا التحريم للمقاطعة ثلاث أيام بقوله: (فإنهُما ناكبان عنِ الحق) تنكَّب الطريق: بمعنى ابتعد عنه، فهو ناكبٌ عن الحق أي بعيدٌ عنه.
علل النهي والتحريم للمصارمة والمقاطعة بقوله: (فَإِنَّهُمَا -يعني المتقاطعان - نَاكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صِرَامِهِمَا) : أي على مقاطعتهما.
(وإنَّ أوَّلَهُمَا فيئا يكونُ كفارةً عنه سَبقُهُ بالفيء) يعني عليه الصلاة والسلام أن المتهاجرَين المتقاطعين الذي يفيء لنفسه ويرجع عن خطؤه إلى الصَّواب يكون ذلك كفَّارة لمقاطعته السابقة.
(وإنَّ أوَّلُهُمَا فيئا يكونُ كفارةً عنه سبقُهُ بالفيء) وما معنى الفيء هنا؟: كانا متقاطِعَين، وكما جاء في حديث سابق (يلتقيان فيَصدُّ هذا عن هذا وهذا عن هذا) فمن يفيء أوَّلا يكون سبقه للفيء يكون كفَّارة له، والفيء: هو أن يُبادر أخاه الذي كان قد قاطعه بالسلام، يعني إذا مضى على المتقاطِعَين ثلاثة أيَّام التي هي رُخصة من الشارع -كما ذكرنا في الدرس السابق- ثم دخل اليوم الرابع فقد دخل كلاهما في الإثم، فأسبقهما إلى الفييء أي للرجوع إلى الصواب أو الحق فهو كفَّارةٌ له، وذلك بأن يُبادر أخاه بالسلام، هذا هو الفيء، وهذا هو الرجوع عن الخطأ إلى الصواب، فإذا فعلا ذلك كان كفَّارة لما سبق منه من المقاطعة لأخيه المسلم.