إذن هذا الحديث يُفيدنا فائدة فقهية وهي أن الُمسلم يَحرُم عليه أن يرجِع في هبةٍ أعطاها لغيره، مهما كانت هذه الهِبة ثَمينة أو حقيرة، يعني إنسان أعطى حَبِّة برتقال أو مشمش او غير ذلك لآخر فلا يجوز أن يسترجعها حينئذٍ مثله مثل الكلب يرجع في قيئه، أعطى ما هو أكثر من ذلك فأولى وأولى لأنه لا يجوز أن يرجع في قيئه، فالتحريم أُخذ من هذا التشبيه الذي شرحناه لكنَّ، (كالكلب يرجع في قيئه) ، إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى المُصلِّي أن يبسط في سجوده بسط الكلب كان ذلك دليلا على تحريم هذا البسط، فكيف وهو شبَّه الراجع في هبته، في عطيته بالكلب يرجع في قيئه!! فدلَّ الحديث على تحريم الرجوع في الهبة والعطية.
لكن هنا سؤال: هل هُناك تفصيل في الرجوع المُحرَّم؟
الجواب: اختلفت المذاهب فأكثر العلماء على أنَّ الحديث يبقى على إطلاقه فيَحرُم على كل واهبٍ أن يهب شيئًا ثم يرجع فيه:
الأحناف قالوا: بشرط أن يُثاب: يعني إذا إنسان أعطى عطية بقصد أن يُقابل بمثلها أو بأحسنَ منها، وإذا به يُفاجأ بأنه راحت عطيته سُدى، قال الأحناف: يجوز له الرجوع مادام أنه لم يُثَب عليها، واحتجُّوا على هذا التقييد ببعض الأحاديث التي قَيَّدت هذا التحريم بما إذا أُثيب أي قوبل بالمثل، فإذا لم يُثَب جاز له الرجوع لكن هذه الأحاديث ليست صحيحة الإسناد؛ ولذلك لا يجوز الاحتجاج بها فيبقى هذا الحديث من هذه الحيثية، من هذه الجهة على إطلاقه أي سواءٌ كان الواهب يطمع في أن يوهَب أو لا يطمع فرجوعه عن هبته حرامٌ لهذا التشبيه المذكور في الحديث.
ويأتي هنا سؤال آخر وهو: هل هذا الإطلاق المذكور في هذا الحديث هو على عمومه من جهة أخرى وهي من جهة ملاحظة الواهب إذا وهب لفرع من فروعه كأن يهب الوالد لولده، فهل أيضا لا يجوز للوالد أن يرجع في هبته؟؟