ولقد كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصين كل الحرص على تبليغ الناس العلم حتى ولو أساء بعض الناس الظن به، فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: (يقول الناس أكثر أبو هريرة) وفعلا قد كان بعض الناس وليسو من عاديين الناس وإنما من كُبراء الناس وهم الصحابة، من كثرة ما كان أبو هريرة قد حفظ من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكثرة ما كان يُحدِّث الناس في كل مناسبة، فقالوا: كثَّرها -بالتعبير العامِّي اليوم - كأنَّهم يستغربون كثرة الأحاديث التي يرويها أبو هريرة. ولكثرة أحاديثه أسباب - ذكرنا آنفا بعضها - الشاهد لماذا كان يُكثر أبو هريرة رضي الله عنه من التحديث؟ لأنه كان يعلم أنه لا يجوز له أن يكتم العلم، وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة نفسه: (لولا آية في كتاب الله ما حدَّثتكم بالحديث الآتي:) وذكر الآية السابقة أمَّا الحديث فقد حدَّث به في آخر حياته لقوله قال رسول - صلى الله عليه وسلم: (من قال: لا الاه إلَّا الله دخل الجنَّة) ، وكذلك عن مُعاذ بن جبل رضي الله عنه أنَّه لمَّا حضرته الوفاة قال: (لولا الآية السابقة ما حدَّثتكم بما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:(من قال: لا الاه إلَّا الله مُخلِصا من قلبه دخل الجنَّة) قال الراوي عن مُعاذ وما حدَّث بها -أي هذه الجُملة- إلّا تأثُّما) ومعنى تأثُّما: يعني فرارا من الإثم، فقوله هنا (نهى عن منع) يشمل - كما قلنا- منعا لما كان معنًا أو كان مادّةً، ومن القسم الذي يدخل في منع ما كان معنًا وليس مادّةً هو العلم -كما ذكرنا آنفا-