فمثل ما يُقال في موضوع القضاء والقدر يُقال أيضًا في موضوع الأخلاق، فلا يجوز أن يتصوَّر أن التربية الأخلاقية لا تفيد شيئًا لأن القضية تعود إلّا الفطرة والجبلَّة فقط، وإلَّا معنى هذا كمعني الجبر من القدر، تعطيل فائدة إرسال الرسل وإنزال الكتب، إذا قيل أن الإنسان مجبور، إذا لماذا يُقال له من الله -عز وجل - يقول للعباد: إفعل ولا تفعل والإنسان مجبور؟، كذلك لماذا نُؤمَر بأن نتخلَّق بالأخلاق الحسنة ومنها الصبر إذا افترضنا ألَّا سبيل إليه إلَّا من فُطِرَ عليه؟، فجاء هذا الحديث لتأكيد هذه القاعدة الأخلاقية وهي أن الإنسان في استطاعته أن يُخلِّق نفسه بالأخلاق الصالحة ومن هذا القبيل أيضا الحديث المشهور، وهو الحديث الحسن لغيره وهو قوله - صلى الله عليه وسلم: (إنَّما العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم) كل هذا يدخل في هذا الباب، هنا يقول: (ومن يتصبَّر يُصبِّره الله) ، وهناك يقول: (إنَّما الحلمُ بالتحلُّم) أي لا ييأس الإنسان حينما لا يُرزق حلمًا أنَّه لا سبيل له إلى هذا الحِلم؛ لأنه من الممكن بالتريّض ومعالجة الإنسان نفسه أن يُخلِّق نفسه ببعض الأخلاق الصالحة التي لم يُفطَر ولم يُجبل عليها.
ومن هذا المبدأ المُدعَم بالقرآن وبالسُّنَّة -كما ترَون - نستطيع أن نفهم بطلان حديث من حيث إسناده وإن كان من حيث متنه، وإن كان من حيث إسناده ضعيفًا، ذلك الحديث الذي يقول (إذا سمعتم بجبلٍ زال عن مكانه فصدقوا، وإذا سمعتم برجل زال عن خلقه فلا تُصدِّقوه) لو كان هذا الحديث صحيحا لأبطل تنزيل الكتُب وإرسال الرسل والأمر بالتخلُّق بالأخلاق الحسنة وبالتصبُّر وبنحو ذلك من الأخلاق، مادام الأمر: صدِّقوا إذا سمعتم بزوال جبلٍ من مكانه، ولا تصدِّقوا إذا سمعتم بزوال رجل عن طبعه وعن خلقه. إذن كل المبادئ وكل الشرائع لا قيمة لها، عسى أن يكون الأمر كذلك.