فهرس الكتاب
صفحة 32
وعن محمد بن الحنفية قال: قلت (لأبيه علي بن أبي طالب) من خير الناس بعد رسول الله؟ قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. فخشيت أن أقول ثم من؟ فيقول عثمان. فقلت: أنت يا أبة. فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين.
وقال أبوبكر رضي الله عنه: وليتكم ولست بخيركم. فقال علي: والله لأنت خيرنا ولكن المؤمن يهضم نفسه. وهذا قول أمير المؤمنين وإن رغم أنف الرافضة وكذلك لما قال أبو بكر رضي الله عنه: أقيلوني، بعدما انعقد بيعه. قال علي رضي الله عنه: لا نقيلك ولا نستقيلك، رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟
فالله تعالى ميز بين الأعمال والإيمان، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو إلى الإيمان ويقول:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" [1] . وقال عليه السلام:"قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" [2] . علق الفلاح بالقول لا بالعمل، وأجمع المسلمون أن من صدق بقلبه وأقر بلسانه ولم يعمل عملًا أنه كامل الإيمان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما قتل أسامة المشرك بعد قوله لا إله إلا الله:"قتله وهو مسلم". قال: يا رسول الله قالها متعوذا من القتل. فقال صلى الله عليه وسلم:"هلا شققت عن قلبه" [3] . أفاد هذا الحديث فائدتين.
إحداهما: الرد على من قال: إن العمل من الإيمان، ولأن النبي صلى الله عليه وسلك حكم بالإيمان بمجرد هذا القول.
والفائدة الأخرى: الرد على من قال: إن الإيمان إقرار باللسان لا غير بقوله صلى الله عليه وسلم:"هلا شققت عن قلبه"وكذا قوله تعالى:
"قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ" (المائدة: 41) .
أيضًا انتظمت الآية الرد على الطائفتين.
وجهة الدلالة من الآية: أن الله سبحانه وتعالى جعل الإيمان محله اللسان والقلب، ولم يذكر الأعمال، ولو كانت الأعمال من الإيمان لنفاه عن أعمالهم كما نفاه عن قلوبهم. وكذا لم يجعلهم مؤمنين بمجرد القول بأفواههم لما لم يؤمنوا بقلوبهم، والمعقول يشهد لذلك، فإن
حاشية
[1] رواه البخاري، وأبو داوود (2640) ، والترمذي (2610) .
[2] رواه أحمد في مسنده (492/ 3) ، (63/ 4) ، (371/ 5) .
[3] رواه مسلم (158) ، وأحمد (439/ 4) ، (207/ 85) .