لن يستطيع أحد من غير أهل الإيمان الصبر على الجوع والفقر والخوف والقتل والتشريد والحصار ونقص الأموال والأنفس والثمرات إن لم يكن عنده الوازع العقدي الصلب الذي يضحي من أجله بكل شئ, بنفسه, وماله, وولده, وهذه الحقيقة غائبة عن بعض المؤمنين من حملة هذه الأمانة، ولقد ضرب أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد أروع الأمثلة على ثبات المؤمنين الصادقين الذين يعيشون مع إخوانهم آلامهم وآمالهم، إنها العقيدة وليس غيرها تلك التي جعلت هذا الأمير المجاهد يرد على طلب أمريكا وحلفائها بتسليم المجاهدين العرب بقوله:"لن يسلم الشعب الأفغاني إخوانهم العرب ولو قتل كل الأفغان".
إن بلاء الله موجه لهذه الفئة بالذات فإن كانت أملك لأمرها على أرضها فبها ونعمت وإلا فلتجاهد وتصبر حتى يفتح الله عليها، ولا يغتروا بكلام ووعود غيرهم وليعطوا كل شئ حقه في حساباتهم حتى لا يصدموا بأحداث مفجعة بناء على حسابات خاطئة، ولن يقف لهم غيرهم خلف خندقهم ويذود عنهم ليتحمل لهم نتاج إيمانهم بالله أو ليجني لهم الثواب والأجر نيابة عنهم, إنهم هم وليس غيرهم أصحاب العقيدة والهدف الواحد الذين يتحملون المشقة ويربطون على بطونهم حجرا في سبيل هذا الدين وبناء دولة الإسلام وهم أيضا الذين سيجنون ثمار هذه المشقة من ثواب الله تعالى لذا يجب عليهم أن يسعوا قدر طاقتهم لتحقيق هذا الهدف.
فنظرة سريعة على أحداث سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - يتضح لنا صحة ذلك فقد عرض نفسه - صلى الله عليه وسلم - على القبائل في مواسم الحج فأبوا أن يؤمنوا به وخرج - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل الطائف فأدموا قدميه الشريفتين بالحجارة, وحاربه قومه في دعوته, .. وقد تواجه البعض شبهة فيقول: كيف تربط بين العقيدة والتضحية إلى هذا الحد الذي تعجز معه كل الروابط الأخرى _دون العقيدة _ في أن تكون بديلا عنها في مواجهة عواصف الابتلاءات والمحن وقد كان أبو طالب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أكبر مناصريه وليس على دينه - صلى الله عليه وسلم -؟
والإجابة: أنه نظرا لأن أبا طالب لم يكن على دينه - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت نصرته له لها وجهة جاهلية قومية وليست إيمانية عقدية, فهو ينصره فقط لأنه ابن أخيه وقد كان لصبره معه حدود، وفي ذلك يذكر المباركفوري فيقول:
(( عظم على أبي طالب هذا الوعيد والتهديد الشديد _ أي من وفد قريش له _ فبعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر مالا أطيق ) ). [1]
وكان على النقيض من ذلك نجاشي الحبشة الذي أسلم مؤخرا ولم يكن من أهله ولا من عشيرته - صلى الله عليه وسلم - بل ولا عربيا وبالرغم من ذلك دفعته عقيدته وإيمانه للتضحية والوقوف في وجه قومه, فلولا أنه اعتنق الإسلام ما صبر على هذا الإيذاء.
وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ليهاجر إلى المدينة ويستمر بقية حياته فيها ويصبر أهلها على البلاء لولا أن منّ الله عليهم بالإسلام وبعد البيعة الثانية بعد أن فهم أهل البيعة مدى التكاليف والمشاق التي سيتحملونها, وبعد أن أصبحوا هم بأنفسهم من أصحاب هذه الدعوة لذلك هان عليهم كل غال ونفيس لأنهم يعلمون أنها تجارة مع ربهم فهم منه- يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - ـ وهو منهم, لم يأتهم ضيفا أو لمجرد الحماية فقط, فبعد أن تلا عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنود البيعة ووافقوا على ذلك:
(( قام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها _ يعني اليهود _ فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟، قال فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال:"بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم"... ثم استطرد قائلا: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟، قالوا: نعم، قال إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا سلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة, وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على هلكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة، قالوا: إنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟، قال: الجنة، قالوا ابسط يدك فبسط يده فبايعوه ) ). [2] .
وفي رواية جابر قال: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة ـ وهو أصغر السبعين ـ فقال رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها.
والحقيقة كما ذكر فإن هذه الدعوة لن يقبلها سوى أصحابها الذين لا يرون نصب أعينهم سوى عقيدتهم ومصلحة دينهم وبالفعل لقد حارب الأنصار - رضي الله عنهم - الأسود والأحمر من الناس من مشركي العرب والمرتدين والفرس والروم ولقد أنهكت أموالهم وقتل أشرافهم وهم أيضا بأنفسهم الذين اشتروا من الله الجنة بما دفعوه .. ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة.
(1) المصدر السابق، ص:97
(2) سيرة ابن هشام، ج1/ 446.