الصفحة 7 من 31

يتخيل البعض أن الجاهلية هي الحقبة والتاريخ الذي كان قبل الإسلام فحسب وغاب عن أذهانهم أن خواء القلوب من العقيدة الصحيحة وغياب الشريعة الإلهية التي تحكم المجتمعات الإنسانية إنما هي الجاهلية بعينها بغض النظر عن الزمان والمكان التي تتواجد فيه, فالجاهلية هي الجاهلية.

قال الشوكاني: (( أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس؛ أن عمر بن الخطاب سأله، فقال: أرأيت قول الله لأزواج النبيّ - صلى الله عليه وسلم: {وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى} هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال ابن عباس: ما سمعت بأولى إلا ولها آخرة ) )أهـ [1]

أما عن الجاهلية المعاصرة فخير من يفضح أمرها ويكشف زيفها وضلالها هو الشيخ سيد قطب نسأل الله أن يتقبله في الشهداء.

يقول الشيخ سيد قطب ـ رحمه الله ـ عن الجاهلية المعاصرة:

(( إن خير ما نصف به الجاهلية الأولى ما وصفها به جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - وهو يحدث نجاشي الحبشة في مواجهة رسولي قريش إليه، يقول جعفر في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف) ومن الآثار التي تصف لنا الحال الاجتماعي للجاهلية الأولى هو حديث السيدة عائشة رضي الله عنها الذي رواه البخاري والتي تصف فيه حال النكاح في الجاهلية على أنه أربعة أنحاء: فعَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ -إلى أن قالت- فَلَمَّا بُعِثَ محمد - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْم ))ثم يستطرد رحمه الله فيقول (( إن الجاهلية هي الجاهلية ولكل جاهلية أرجاسها وأدناسها لا يهم موقعها في الزمان والمكان، فحيثما خلت قلوب الناس من عقيدة إلهية تحكم تصوراتهم ومن شريعة ـ منبثقة من هذه العقيدة ـ تحكم حياتهم فلن تكون إلا الجاهلية في صورة من صورها الكثيرة، والجاهلية التي تتمرغ البشرية اليوم في وحلها لا تختلف في طبيعتها عن تلك الجاهلية العربية أو غيرها من الجاهليات التي عاصرتها في أنحاء الأرض، حتى أنقذها منها الإسلام وطهرها وزكاها، إن البشرية اليوم تعيش في ماخور كبير!، ونظرة إلى صحافتها وأفلامها ومعارض أزيائها ومسابقات جمالها ومراقصها وحاناتها وإذاعاتها ونظرة إلى سعارها المجنون للحم العاري والأوضاع المثيرة والإيحاءات المريضة في الأدب والفن وأجهزة الإعلام كلها، إلى جانب نظامها الربوي وما يكن وراءه من سعار للمال ووسائل خسيسة لجمعه وتثميره وعمليات نصب واحتيال وابتزاز تلبس ثوب القانون وإلى جانب التدهور الخلقي والانحلال الاجتماعي الذي أصبح يهدد كل نفس وكل بيت وكل نظام وكل تجمع إنساني، نظرة إلى هذا كله تكفي للحكم على المصير البائس الذي تدلف إليه البشرية في ظل هذه الجاهلية. اهـ [2]

(1) فتح القدير للشوكاني (الأحزاب 33)

(2) في ظلال القرآن.- من تفسير سورة آل عمران

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت