وفي مقابلة الجاهلية التي ذكرنا طرفا من أرجاسها نجد أهل الإيمان الغرباء الذين لا يألون جهدا في نصرة دينهم والذود عنه صابرين محتسبين موفين بعهدهم مع ربهم:
قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} سورة الأحزاب 23 (( أي من المؤمنين رجال أوفوا بعهودهم مع الله تعالى، وصبروا على البأساء والضراء وحين البأس: فمنهم من وَفَّى بنذره، فاستشهد في سبيل الله، أو مات على الصدق والوفاء، ومنهم مَن ينتظر إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة، وما غيَّروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدَّلوه، كما غيَّر المنافقون ) )أهـ. [1]
وهم في ذلك يعلمون أنهم غرباء بدينهم وفي مجتمعاتهم وبين أهليهم وأنهم بإذن الله منصورون لا يضرهم من خالفهم ولو تكاثروا عليهم فالنبي - صلى الله عليه وسلم - سماهم"غرباء"و"طائفة"وهذا كله يعني القلة, قال النووي: (( قال القاضي: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ في آحاد من الناس وقلة ثم انتشر وظهر ثم سيلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا في آحاد وقلة أيضا كما بدأ ) ). [2]
فما داموا على أمر الله قائمين يدورون مع الكتاب حيث دار فنصرهم على عدوهم سيكون بتوكلهم على ربهم وصدقهم في إيمانهم به سبحانه وثباتهم على أمره لا يضرهم قلة نصير أو نقص في عتاد.
ففي الحديث: (( عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ فَلَا يَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ ) ). [3]
يقول بن القيم: و (( قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة 119] . وقد قسم سبحانه الخلق إلى قسمين سعداء وأشقياء فجعل السعداء هم أهل الصدق والتصديق والأشقياء هم أهل الكذب والتكذيب وهو تقسيم حاصر مطرد منعكس. فالسعادة دائرة مع الصدق والتصديق, والشقاوة دائرة مع الكذب والتكذيب, وأخبر سبحانه وتعالى: أنه لا ينفع العباد يوم القيامة إلا صدقهم. وجعل علم المنافقين الذي تميزوا به هو الكذب في أقوالهم وأفعالهم فجميع ما نعاه عليهم أصله الكذب في القول والفعل فالصدق بريد الإيمان ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه بل هو لبه وروحه. والكذب بريد الكفر والنفاق ودليله ومركبه وسائقه وقائده وحليته ولباسه ولبه فمضادة الكذب للإيمان كمضادة الشرك للتوحيد فلا يجتمع الكذب والإيمان إلا ويطرد أحدهما صاحبه ويستقر موضعه ) )أهـ [4]
وإيمانهم بنصر ربهم أقوى مما يلاقونه من عنت طواغيت الأرض وأرسخ من الجبال وهم يقرؤون في كتاب ربهم: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج/40، 41] ، وهم يعلمون تماما أن الأيام دول وأن ليل الجاهلية لن يبقى طويلا {وتلك الأيام نداولها بين الناس} ، وأن عِز أجدادهم الذين ملؤوا الأرض عدلا ونورا لهو قادم لا محالة بما بشرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولكن سنة الله في خلقه ماضية إلى حيث أراد الله لها وإلى ما شاء الله لها أن تدوم، يملأ ذلك الإيمان قلوبهم ولسان حال شاعرهم يقول:
ملكنا أقاليم البلاد فأذعنت لنا رغبة أو رهبة عظماؤها
فلما انتهت أيامنا علقت بنا شدائد أيام قليل رضاؤها
وصرنا نلاقي النائبات بأوجه رقاق الحواشي كاد يقطر ماؤها
إذا ما هممنا أن نبوح بما جنت علينا الليالي لم يدعنا حياؤها
(1) التفسير الميسر (ألفه نخبة من العلماء) - (ج 7 / ص 333)
(2) شرح النووي على مسلم - شرح حديث رقم (209)
(3) صحيح مسلم - (3542)
(4) زاد المعاد - (ج 3 / ص 511)