أما طريق أهل الإيمان وأصحاب هذه الدعوة فهو شائك وهم يعلمون مشقته, والعلم الإيماني والنظري شئ ومعايشته شئ آخر, لقد تفنن أهل الجاهلية من طواغيت كل عصر في صب أنواع شتى من البلاء, بل كل أنواع البلاء على هذه الفئة الغريبة المؤمنة بين أهل الجاهلية، المعروفة عند أهل الحق في الأرض والسماء، القليلة بعددها، الكثيرة بنصرة ربها، الضعيفة بإمكانات البشر، القوية بإيمانها بربها وبقوته سبحانه وبنصره وبما وعدهم، الفقيرة بما عند الناس، الغنية بعزتها بعقيدتها، المقهورة في نظر أهل الدنيا وبحساباتهم، الشامخة المتعالية بدينها الشامخ الحق على أدناس وأرجاس الجاهلية.
-فهم يعلمون أنهم وأهليهم وأولادهم سيواجهون جوعا وخوفا وفقرا وسجنا وتقتيلا، تماما كما لاقى أجدادهم الأول، يعلمون ذلك وهم يقرؤون كتاب ربهم صبح مساء {ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} .
يقول شيخ المفسرين الإمام بن جرير في تفسير هذه الآية:
(( عن ابن عباس قوله ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونحو هذا قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وإنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر وبشرهم فقال: وبشر الصابرين ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم فقال {مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} ومعنى قوله {ولنبلونكم} ولنختبرنكم، وقوله {بشئ من الخوف} يعني من الخوف من العدو، وبالجوع وهو القحط يقول: لنختبرنكم بشئ من خوف ينالكم من عدوكم وبسنة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار فينقص لها عددكم وموت ذراريكم وأولادكم، وجدوب تحدث فتنقص لها ثماركم، كل ذلك امتحان مني لكم، فنتبين صادقيكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه والشك والارتياب، كل ذلك خطاب منه لأتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ) ). اهـ [1]
ويقول الشيخ سيد قطب رحمه الله في تفسير هذه الآية:
{ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ... } : ولابد من تربية النفوس بالبلاء، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، لابد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها، كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: "لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرا مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه"، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها مقدرين لها مندفعين إليها، وعندئذ يجئ نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجا، ولابد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد، والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب، وأهم من هذا كله أو والقاعدة لهذا كله الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها وتتوارى الأوهام وهي شتى ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سندا إلا سنده وفي هذه اللحظة فقط تتجلى الغشاوات وتتفتح البصيرة وينجلي الأفق على مد البصر لا شئ إلا الله، لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله، لا إرادة إلا إرادته، لا ملجأ إلا إليه، وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح. اهـ [2]
(1) جامع البيان، ج2/ 56،57
(2) في ظلال القرآن في تفسير الآية.