نعم هكذا يعيش أهل الإيمان في مجتمعاتهم إما معزولين عنها أو منبوذين منها أو مسجونين فيها أو هاربين من بطش أهل الكفر والردة أو منفيين منها بطردهم خارجها وتجريدهم مما يتيح لهم الانتقال والحركة في أرض الله الواسعة, أو بهجرتهم منها, فهم غرباء عن مجتمعاتهم, ومجتمعاتهم غريبة عنهم, بل ويعيشون هذه الغربة بين أقوامهم وعوائلهم, ولربما لا يقبل الوالد ولده أن يجاوره في بيت واحد.
قال أبو الفرج ابن رجب الحنبلي:
(( وفي مسند الإمام أحمد"عن عبادة بن الصامت أنه قال لرجلٍ من أصحابه: يُوشك إن طالت بك الحياة أن ترى الرجل قد قرأ القرآن على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه ونزل عند منازله لا يحور فيكم إلا كما يحور رأس الحمار الميت", ومثله قول ابن مسعود: يأتي على الناس زمان يكون المؤمن فيه أذل من الأمة. وإنما ذل المؤمن آخر الزمان لغربته بين أهل الفساد من أهل الشبهات والشهوات، فكلهم يكرهه ويؤذيه لمخالفة طريقته لطريقتهم ومقصوده لمقصودهم ومباينته لما هم عليه ) ). [1] فأنى لهم الاندماج في مجتمعات جاهلية, خليط متنافر غير قابل للاندماج, لا يقبل أحدهما الآخر, الإيمان و الطهر والعلياء, والجاهلية بكل أرجاسها وأدناسها وانحطاطها.
يقول صاحب الظلال رحمه الله في قوله تعالى {وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} :
(( .. يا عجبًا! أو من يتطهر يخرج من القرية إخراجًا، ليبقى فيها الملوثون المدنسون؟! ولكن لماذا العجب؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة؟ أليست تطارد الذين يتطهرون، فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية - وتسميه تقدمية وتحطيمًا للأغلال عن المرأة وغير المرأة - أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك؛ ولا تطيق أن تراهم يتطهرون؛ لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين القذرين؟! إنه منطق الجاهلية في كل حين!! [2]
قال بن كثير: (( وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} قال قتادة، عابوهم بغير عيب ) ). [3]
يقول المناوي: (( ..(إن الإسلام بدأ) يقال بدا الشئ يبدو أي ظهر (غريبا) أي في قلة من الناس ثم انتشر (وسيعود) أي وسيلحقه النقص والخلل حتى لا يبقى إلا في قلة (كما بدأ غريبا) هكذا ثبتت هذه اللفظة في رواية، ثم المراد أنه لما بدأ في أول وهلة نهض بإقامته والذب عنه ناس قليلون من أشياع الرسول ونزاع القبائل فشردوهم عن البلاد ونفوهم عن عقر الديار, يصبح أحدهم معتزلا مهجورا ويبيت منبوذا كالغرباء, ثم يعود إلى ما كان عليه لا يكاد يوجد من القائمين به إلا الأفراد, ويحتمل أن المماثلة بين الحالة الأولى والأخيرة قلة من كانوا يتدينون به في الأول وقلة من يعملون به في الآخر, ثم إنه أكد ذلك بقوله كما بدأ, ولم يكتف بقوله وسيعود غريبا لما في الموصول من ملاحظة التهويل, وأراد بالإسلام أهله لدلالة ذكر الغرباء بعده، ذكره جمع، وقال الطيبي إما أن يستعار الإسلام للمسلمين فالغربة هي القرينة فيرجع معنى الوحدة والوحشة إلى نفس المسلمين, وإما أن يجري الإسلام على الحقيقة فالكلام فيه تشبيه, والوحدة والوحشة باعتبار ضعف الإسلام وقلته، فعليه غريبا إما حال أي بدأ الإسلام مشابها للغريب أو مفعولا مطلقا أي ظهر ظهور الغريب حين بدأ فريدا وحيدا ثم أتم الله نوره فأنبت في الآفاق فبلغ مشارق الأرض ومغاربها ثم يعود في آخر الأمر فريدا وحيدا شريدا إلى طيبة (فطوبى) فعلى من الطيب أي فرحة وقرة عين أو سرور وغبطة أو الجنة أو شجرة في الجنة (للغرباء) أي المسلمين المتمسكين بحبله المتشبثين بذيله الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره، وإنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا وآخرا ولزومهم دين الإسلام ذكره ابن الأثير وزاد الترمذي بعد الغرباء (الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي) وفي خبر آخر قيل من الغرباء قال النزاع من القبائل أي الذين نزعوا عن أهلهم وعشيرتهم. [4]
(1) كشف الكربة في وصف أهل الغربة ص 11
(2) في ظلال القرآن - في تفسير الآية
(3) تفسير ابن كثير - (ج 3 / ص 445)
(4) فيض القدير للمناوي - (ج 2 / ص 407)