يحدثنا التاريخ القديم والحديث عن مكائد اليهود والنصارى للإسلام وأهله، فقد كان اليهود والنصارى حانقون على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصدون عن دعوته: قال بن كثير في قوله تعالى: (( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) ).هذا تعنيف من الله تعالى لكَفَرة أهل الكتاب، على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصَدِّهم عن سبيله مَنْ أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله تعالى )) أهـ [1]
وكم تربصوا بهم، فحاولوا قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضعوا له السم في الشاة ليقتلوه.
ففي الحديث الصحيح: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَاةٌ فِيهَا سَمٌّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ الْيَهُودِ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ِ - صلى الله عليه وسلم - إ ِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا أَبُونَا فُلَانٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ فَقَالُوا صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ فَقَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ أَهْلُ النَّارِ فَقَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ قَالُوا نَعَمْ فَقَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سَمًّا فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَذَّابًا نَسْتَرِيحُ مِنْكَ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ ) ). [2]
نعم نقول ذلك ونبين للذين صورت لهم وسائل الدعاية اليهودية الصليبية والطاغوتية المختلفة أنه من الممكن أن نلتقي مع اليهود والصليبيين في منتصف الطريق فنأمن جانبهم أو أن نعقد معهم عهدا أو صلحا على حساب مقدساتنا وهم الذين أخلفوا ميثاقهم مع الله تحت الجبل، ونبذوا عهودهم مع أنبيائهم من بعد، كما نبذوها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بل هم الذين شنوا حملاتهم الصليبية ضد بلاد المسلمين عبر التاريخ واحتلوا بلادنا ومقدساتنا وحسنوا دين الكفار على دين الإسلام فكيف بحكومات بلاد المسلمين المرتدة التي اتخذتهم أولياء وأقامت علاقات طبيعية معهم بل وأبرمت اتفاقيات تحالف معهم فسموا أي اليهود والنصارى بالحليف الأكبر مرة والحليف الاستراتيجي مرة أخرى فلم يكن من بد للغرباء إلا مواجهة كل هؤلاء الأعداء الذين وضعوا أنفسهم في خندق واحد.
قال صاحب الظلال: (( فأهل الكتاب هؤلاء هم الذين كانوا يقولون للذين كفروا من المشركين: {هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا} . وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين ألّبوا المشركين على الجماعة المسلمة في المدينة، وكانوا لهم درعًا وردءًا. وأهل الكتاب هم الذين شنوا الحروب الصليبية خلال مائتي عام، وهم الذين ارتكبوا فظائع الأندلس، وهم الذين شردوا العرب المسلمين في فلسطين، وأحلوا اليهود محلهم، متعاونين في هذا مع الإلحاد والمادية! وأهل الكتاب هؤلاء هم الذين يشردون المسلمين في كل مكان .. في الحبشة والصومال واريتريا والجزائر، ويتعاونون في هذا التشريد مع الإلحاد والمادية والوثنية .... ثم يظهر بيننا من يظن - في بعد كامل عن تقريرات القرآن الجازمة - أنه يمكن أن يقوم بيننا وبين أهل الكتاب هؤلاء ولاء وتناصر .... إن هؤلاء لا يقرؤون القرآن, وإذا قرأوه اختلطت عليهم دعوة السماحة التي هي طابع الإسلام؛ فظنوها دعوة الولاء الذي يحذر منه القرآن .... إن هؤلاء لا يعيش الإسلام في حسهم، لا بوصفه عقيدة لا يقبل الله من الناس غيرها، ولا بوصفه حركة إيجابية تستهدف إنشاء واقع جديد في الأرض؛ تقف في وجه عداوات أهل الكتاب اليوم, كما وقفت له بالأمس ... ! وندع هؤلاء في إغفالهم أو غفلتهم عن التوجيه القرآني، لنعي نحن هذا التوجيه القرآني الصريح: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . بعضهم أولياء بعض. . ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين} .... هذا النداء موجه إلى الجماعة المسلمة في المدينة - ولكنه في الوقت ذاته موجه لكل جماعة مسلمة تقوم في أي ركن من أركان الأرض إلى يوم القيامة. . موجه لكل من ينطبق عليه ذات يوم صفة: {الذين آمنوا} .... ولقد كانت المناسبة الحاضرة إذ ذاك لتوجيه هذا النداء للذين آمنوا، أن المفاصلة لم تكن كاملة ولا حاسمة بين بعض المسلمين في المدينة وبعض أهل الكتاب - وبخاصة اليهود - فقد كانت هناك علاقات ولاء وحلف، وعلاقات اقتصاد وتعامل، وعلاقات جيرة وصحبة ونزل القرآن ليبث الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي يخوضها بعقيدته، لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة. ولينشئ في ضمير المسلم تلك المفاصلة الكاملة بينه وبين كل من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة ولا يقف تحت رايتها الخاصة, المفاصلة التي لا تنهي السماحة الخلقية, فهذه صفة المسلم دائما, ولكنها تنهي الولاء الذي لا يكون في قلب المسلم إلا لله ورسوله والذين آمنوا. . الوعي والمفاصلة اللذان لا بد منهما للمسلم في كل أرض وفي كل جيل {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء. . بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين} .
بعضهم أولياء بعض. . إنها حقيقة لا علاقة لها بالزمن. . لأنها حقيقة نابعة من طبيعة الأشياء. . إنهم لن يكونوا أولياء للجماعة المسلمة في أي أرض ولا في أي تاريخ. . وقد مضت القرون تلو القرون ترسم مصداق هذه القولة الصادقة. . لقد ولي بعضهم بعضًا في حرب محمد - صلى الله عليه وسلم - والجماعة المسلمة في المدينة. وولي بعضهم بعضًا في كل فجاج الأرض، على مدار التاريخ. . ولم تختل هذه القاعدة مرة واحدة؛ ولم يقع في هذه الأرض إلا ما قرره القرآن الكريم، في صيغة الوصف الدائم، لا الحادث المفرد. . واختيار الجملة الاسمية على هذا النحو. . بعضهم أولياء بعض. . ليست مجرد تعبير! إنما هي اختيار مقصود للدلالة على الوصف الدائم الأصيل! .. ثم رتب على هذه الحقيقة الأساسية نتائجها. . فإنه إذا كان اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض فإنه لا يتولاهم إلا من هو منهم, والفرد الذي يتولاهم من الصف المسلم، يخلع نفسه من الصف ويخلع عن نفسه صفة هذا الصف «الإسلام» وينضم إلى الصف الآخر, وكان ظالمًا لنفسه ولدين الله وللجماعة المسلمة. . وبسبب من ظلمه هذا يدخله الله في زمرة اليهود والنصارى الذين أعطاهم ولاءه. ولا يهديه إلى الحق ولا يرده إلى الصف المسلم: {إن الله لا يهدي القوم الظالمين} .... فما يمكن أن يمنح المسلم ولاءه لليهود والنصارى - وبعضهم أولياء بعض - ثم يبقى له إسلامه وإيمانه، وتبقى له عضويته في الصف المسلم، الذين يتولى الله ورسوله والذين آمنوا. . فهذا مفرق الطريق .. (ثم يستطرد رحمه الله) .. إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية يخطئون فهم معنى الأديان كما يخطئون فهم معنى التسامح فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله والتسامح يكون في المعاملات الشخصية لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلا ; ولا يقبل فيه تعديلا ولو طفيفا )) . [3]
وعندما بدأت الصحوة الإسلامية في الظهور أثناء القرن الماضي وقفوا ضدها بكل ما يملكون فأعانوا الحكام المرتدين لبلاد المسلمين ودعموهم ماليا وعسكريا وسياسيا ضد أهل الإيمان حتى لا يبقى من يقف ضد مخططاتهم وأطماعهم في بلاد المسلمين, وابتزوا كل مقدرات الأمة من خيرات وموارد طبيعية بمعونة وكلائهم في بلادنا، .. كما شملت حربهم على الأمة الإسلامية الجانب العقدي الفكري لإبعاد المسلمين عن دينهم فها هو البرنامج الأمريكي الصليبي بداية هذا القرن, حول الشرق الأوسط الكبير ثم الجديد تطورا عن الكبير, وتعديهم على عقائد المسلمين بمحاولة تغيير مناهجهم التعليمية والدينية ليخرجوا نشئا مسخا, وغيرها من برامج حرب الأفكار .. وما هي في الواقع إلا تطبيقا مكررا واستمرارا للحروب الصليبية التي ما فتئت تخمد نيرانها بالأمس القريب خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
وقد نبأنا الله تعالى في قرآنه بحدوث هذا البلاء فقال تعالى: (( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) )آل عمران 186.يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (( إنها سنة العقائد والدعوات, لابد من بلاء ولابد من أذى في الأموال والأنفس ولابد من صبر ومقاومة واعتزام، إنه الطريق إلى الجنة، وقد حفت الجنة بالمكاره بينما حفت النار بالشهوات، ولقد حفلت السورة بصور من مكايد أهل الكتاب والمشركين، وصور من دعاياتهم للبلبلة والتشكيك أحيانا في أصول الدعوة وحقيقتها وأحيانا في أصحابها وقيادتها وهذه الصور تتجدد مع الزمان وتتنوع بابتداع وسائل الدعاية الجديدة ) ). [4]
وذكر الإمام الطبري رحمه الله هذا المعنى فقال: (( يعني بذلك تعالى ذكره {لتبلون في أموالكم} لتختبرن بالمصائب في أموالكم وأنفسكم، يعني بهلاك الأقرباء والعشائر من أهل نصرتكم وملئكم، {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} يعني من اليهود قولهم {إن الله فقير ونحن أغنياء} وقولهم {يد الله مغلولة} وما أشبه ذلك من افترائهم على الله {ومن الذين أشركوا} يعني النصارى ) ). [5]
وعلى ذلك فليس غريبا علينا أن نسمعهم وهم يفترون على الله ورسوله أمثال ما سمعنا ورأينا من افتراءات واستهزاء بالله وآياته ورسوله في بعض دول الكفر من حين إلى آخر, وليعلم أهل الإيمان أن هذا أيضا نوع آخر من أنواع البلاء الذي يواجهونه أثناء مسيرتهم.
والخلاصة نقولها للمتخاذلين المتنازلين الذين ينزلون كل يوم دركة ويحاولون أن يلتقوا مع أعداء الله ورسوله ذلك أن عداوة اليهود والنصارى لأهل الإسلام ليس لها إلا حد واحد واضح بينه الله في قوله تعالى: (( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) )سورة البقرة (120) .... قال بن كثير في تفسيره: (( قال ابن جرير: يعني بقوله(1) جل ثناؤه: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وليست اليهود -يا محمد -ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق )). [6]
ولننتقل إلى صورة أخرى من صور البلاء الذي يواجه أهل الإيمان من الغرباء وهي:
(1) تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 85)
(2) صحيح البخاري -حديث رقم 2933
(3) في ظلال القرآن - تفسير سورة المائدة آية 51
(4) في ظلال القرآن - آل عمران آية180
(5) تفسير الطبري، ج3/ 266.
(6) تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 402)