و يحدث ذلك اليوم في شتى بقاع الأرض، فكما تعرّض صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرتهم إلى الحبشة لتلك الفتنة على يد وفد قريش ـ والذي كان يرأسه آنذاك عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قبل إسلامه ـ وقد نجاهم الله من فتنة التسليم هذه لما اقتنع النجاشي بما قاله جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - , ورد النجاشي على وفد قريش هداياهم ورشاواهم خائبين واعتنق الإسلام خفية وأبى عليهم رد المسلمين, في موقف رائع يذكره له التاريخ بحروف من نور. هذا الموقف الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم لحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري: (( عن بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال ُأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... ) )قال ابن حجر: (( وقوله:"ولا يسلمه"أي لا يتركه مع من يؤذيه ولا فيما يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه ) ). [1]
فلقد قال النجاشي لرئيس وفد قريش الذي جاءه بالهدايا ليسلمهم الصحابة الذين هاجروا للحبشة: (( لا لعمر الله! لا أردهم حتى أدعوهم فأكلمهم وأنظر ما أمرهم، قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري _ وقال للمؤمنين بعد أن سمع مقالتهم في دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي مريم وعيسى عليه السلام _ اذهبوا فأنتم آمنون، من سبكم غرم، فوالله ما أخذ الله الرشوة مني حين رد علي ملكي ولا أطاع الناس في فأطيع الناس فيه"، ثم رد على الوفد هداياهم ورشوتهم ) ). [2] "
وإلى يومنا هذا لم نر مثل هذا الموقف النبيل, حيث نرى المجاهدين الآن بين الحين والآخر وهم يُسلّمون من كل بقاع الدنيا إلى أعدائهم قرابين لطواغيت بلادهم وحسبنا الله ونعم الوكيل.
(1) فتح الباري لابن حجر -شرح حديث رقم2262
(2) السيرة النبوية لابن كثير - (ج 2 / ص 18)