الصفحة 17 من 31

وهذا الصنف من البلاء ما زال يمارس أيضا على الجماعات المجاهدة، حاليا فالمطاردة في داخل البلاد وخارجها وفي المواصلات والطائرات مستمرة، وعندهم خطة وبرنامج يسمونه"تجفيف المنابع"أي قطع كل طرق وأساليب إمداد أهل الإيمان بما يحتاجونه ظنا منهم أن ذلك سيعطل جهادهم ضد هؤلاء الطواغيت.

ولقد استخدم الأعداء أسلوب الحصار والمطاردة ضد إمارة أفغانستان الإسلامية ومن هاجر إليها من أهل الإيمان الغرباء لما آوتهم وقامت بإنفاذ شريعة الله على أرضها فحوصرت حصارا اقتصاديا, جائرا فمنعوا التجارة بكافة أنواعها عنها حيث منعوا وصول الدواء والغذاء والبضائع الأخرى, كما منعوا وسائل النقل الجوي وأوقفوها منها وإليها, كما فرضوا عليها حصارا سياسيا فمنعوا الدول الأخرى من الاعتراف بها والتعامل معها كدولة وكحكومة, كل ذلك بقرارات من الأمم الملحدة, ولقد رضخت حكومات بلاد المسلمين في كل مكان لقرارات تلك المنظمة لأنها أعضاء فيها تحكمهم قوانينها فالولاء والبراء والإذعان لقرارات تلك المنظمة ليس لله أو لعقيدة الإسلام شيئا فيها, فحسبنا الله ونعم الوكيل.

ونذكر هنا أيضا أن الحصار والمقاطعة مورسا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام:

يذكر المباركفوري ذلك فيقول:"اجتمعوا في خيف بني كنانة من وادي المحصب فتحالفوا على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم ولا يخالطوهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يكلموهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتل وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهود ومواثيق،"أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا النبي - صلى الله عليه وسلم - للقتل"... ثم يستدرك في فقرة أخرى فيقول:"واشتد الحصار وقطعت عنهم الميرة والمادة فلم يكن المشركون يتركون طعاما يدخل مكة ولا بيعا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد والتجأوا إلى أكل الأوراق والجلود، وحتى كان يسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يتضاغون من الجوع. [1]

غير أن الفرق بين الحصار القديم والحصار الجديد هو أن المجتمع الجاهلي القديم كان ما زال فيه بعض صفات المروءة فقد قامت مجموعة ممن كانوا على الشرك وعبادة الأوثان وتعاهدوا على فك هذا الحصار الجائر وسعوا في ذلك كما يذكر أهل السير والتاريخ.

يذكر ذلك بن كثير فيقول: (( تلاوم رجال من بني عبد مناف ومن قصي ورجال سواهم من قريش ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم واستخفوا بالحق واجتمع أمرهم على نقض ما تعاهدت عليه قريش في هذه الصحيفة من الظلم والبراءة منه، حتى مدحهم أبو طالب في قصيدة مشهورة له ) ). [2]

فلم يفعل أهل الجاهلية الحديثة مثل ما فعله أهل الجاهلية القديمة .. !!

أما عن حصار الخندق فيذكر صاحب الرحيق أنه حين حفر الخندق والمشركون في طريقهم لمدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد، قال أنس: كان أهل الخندق يؤتون بملء كف من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة [3] توضع بين يدي القوم, والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن، وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجوع فرفعنا عن بطوننا حجرا حجرا، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن حجرين [4] .

ويستمر المباركفوري رحمه الله فيقول:"ولما أراد المشركون مهاجمة المسلمين واقتحام المدينة وجدوا خندقا عريضا يحول بينهم وبينها فالتجأوا إلى فرض الحصار على المسلمين. [5] "

ومن هنا نرى أن الحصار على أهل الإيمان ولمن آواهم هو أحد الطرق والأساليب التي اتبعها أعداءهم ضدهم في كل زمان.

(1) الرحيق المختوم، ص:109،110.

(2) راجع قصة المقاطعة ونقض الصحيفة في البداية والنهاية لابن كثير ج3 ص: 81 ـ 83.

(3) الاهالة: الدهن الذي يؤتدم به سواء كان زيتا أو سمنا أو شحما، وسنخه: أي تغير طعمها ولونها من قدمها

(4) الرحيق المختوم، ص:304.

(5) ا لمصدر السابق، ص:306

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت