الصفحة 18 من 31

ما زلنا في حديثنا الطويل عن أهل الإيمان الغرباء في مواجهة الجاهلية، أهل الخير والرشاد والصدق والوفاء بعهد الله الأبرار الذين أخلصوا لله دينهم.

-وإذا استعرضنا بعض أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - تبين لنا من خلالها أن البلاء سنة ربانية لأهل الحق من الأنبياء والصالحين على مر العصور والدعوات ودليل على صحة مسيرتهم في مواجهة, الباطل لأن الحق والباطل لا يجتمعان ولا يلتقيان إذ لابد أن يزيح أحدهما الآخر, لا كما يدعي بعض الجهال فيقولون إن البلاء والتمحيص دلالة على الخطأ في التصور ولو كانوا على الجادة ما ابتلاهم الله بمثل هذه الابتلاءات, فيظنون بجهلهم أن الحق مع من يسقيهم السم من علماء السوء الذين عاشوا جنبا إلى جنب في ظل طواغيت يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف بل وعلاقتهم مع هؤلاء الطواغيت تحفها المحبة ويكسوها الود فيغدق عليهم هؤلاء الطواغيت من بقايا فتات موائدهم ويوسعون لهم في المساجد ووسائل الدعاية والإعلام فيلقون الدروس ويطبعون ما شاءوا من كتبهم ويفتحون لهم أبواب الجامعات والمعاهد فيلقون المحاضرات, يعيشون بين يدي الطاغوت في ترف بين القصور الوسيعة والسيارات الفارهة, كل ذلك يدفعون ضريبته من دينهم وعقيدتهم فهم في ذلك إما محسّنين لدين الطاغوت أو محاربين لأهل الإيمان ومنهجهم, وأحسنهم حالا ساكت على الباطل لا يقف في وجهه ولا يعلن عداوته للطاغوت وبراءته منه ولا محبته لأهل الحق وولاءه لهم, فمن كان هذا حاله فليراجع دينه, فما كان هذا حال الصحابة ولا الصالحين من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - , فتأمل:

فعن أبي عبد الله خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال:

(( شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَاسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ. [1]

وفي الحديث المتفق عليه عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: كأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحكي نبيا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.

يقول الشيخ سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (( {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} :".... يتوجه إليهم بأن هذه هي سنة الله القديمة في تمحيص المؤمنين وإعدادهم ليدخلوا الجنة وليكونوا لها أهلا أن يدافع أصحاب العقيدة عن عقيدتهم وأن يلقوا في سبيلها العنت والألم والشدة والضر وأن يتراوحوا بين النصر والهزيمة حتى إذا ثبتوا على عقيدتهم لم تزعزعهم شدة ولم ترهبهم قوة ولم يهنوا تحت مطارق المحنة والفتنة استحقوا نصر الله لأنهم يومئذ أمناء على دين الله"ثم يستكمل فيقول:"هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، هكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين الذي يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته وهو خطاب مطرد لكل من يختار لهذا الدور العظيم، وإنها لتجربة عميقة جليلة مرهوبة، إن هذا السؤال من الرسول والذين آمنوا معه، من الرسول الموصول بالله والمؤمنين الذين آمنوا بالله إن سؤالهم {متى نصر الله} ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، وعندما تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة عندئذ تتم كلمة الله ويجئ النصر من الله {ألا إن نصر الله قريب} إنه مدخر لمن يستحقونه ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية الذين يثبتون على البأساء والضراء الذين يصمدون على الزلزلة، وبهذا يدخل المؤمنون الجنة مستحقين لها جديرين لها بعد الجهاد والامتحان والصبر والثبات والتجرد لله وحده") ). اهـ [2]

ويقول ابن كثير رحمه الله في تفسيره لنفس الآية السابقة: (( يقول تعالى {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة} قبل أن تبتلوا وتختبروا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم ولهذا قال {لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء} وهي الأمراض والسقام والآلام والمصائب والنوائب، قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد ابن جبير وغيرهم {البأساء} الفقر، {والضراء} السقم {وزلزلوا} خوفوا من الأعداء زلزالًا شديدا وامتحنوا امتحانا عظيما ) ).. وقال الله تعالى {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} ، وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله عنهم في يوم الأحزاب كما قال الله تعالى {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} الآيات، ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه؟، قال: نعم، قال: فكيف كانت الحرب بينكم؟، فقال: سجالا يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة، وقوله {مثل الذي خلوا من قبلكم} أي سنتهم كما قال تعالى {فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين} وقوله {وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله} أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة .. قال الله تعالى {ألا إن نصر الله قريب} كما قال {فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا} وكما تكون الشدة ينزل من الفرج مثلها ولهذا قال {ألا إن نصر الله قريب} وفي حديث أبي رزين (عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب ) ) . اهـ [3]

قال شهاب الدين الألوسي رحمه الله في قوله تعالى: (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ". حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» وأخرج الحاكم وصححه عن أبي مالك قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى ليجرب أحدكم بالبلاء وهو أعلم به كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار فمنهم من يخرج كالذهب الإبريز فذلك الذي نجاه الله تعالى من السيآت ومنهم من يخرج كالذهب الأسود فذلك الذي قد افتتن ) ).اهـ [4] "

إن كثيرًا من أصحاب الدعوة إلى الله يجهلون طبيعة هذا الطريق ويجهلون طبيعة هذا الدين ووعورة مسالكه ويظنون الابتلاء إنما هو نتيجة أخطاء وحسب ولذلك فهم يعمدون إلى اتخاذ سبل ووسائل أخرى غير مشروعة إما ظنا منهم أنها أفضل من طريق الابتلاء أو لعدم قدرتهم على متابعة المسير مع ضخامة وشدة البلاء فيَضلوا ويُضلوا, ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وبعدما علمنا أن البلاء سنة ملازمة لأهل الحق, ننتقل الآن لنثبت أن البلاء دلالة خير للمجاهدين والدعاة لأن عظم الجزاء مع عظم البلاء.

(1) صحيح البخاري - برقم 3343

(2) في ظلال القرآن - تفسير آية 214 من سورة البقرة.

(3) تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 572)

(4) تفسير روح المعاني للالوسي في تفسير الآية 214 من سورة البقرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت