روى الترمذي في الحديث الصحيح: عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ )) . [1]
وروى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - َ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ) ) . [2]
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ) ). [3]
ثم انظر إلى ما قاله بن جرير رحمه الله في تفسير قوله تعالى {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم} قال: (( يقول تعالى ذكره لأهل الإيمان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - {ولنبلونكم} أيها المؤمنون بالقتل وجهاد أعداء الله {حتى نعلم المجاهدين منكم} يقول يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم وأهل الصبر على قتال أعدائه فيظهر ذلك لهم ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه وأهل الإيمان من أهل النفاق ونبلوا أخباركم فنعرف الصادق منكم من الكاذب، ونقل عن ابن عباس قوله: {حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} وقوله {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع} ونحو هذا قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر وبشرهم فقال {وبشر الصابرين} ثم أخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم فقال {مستهم البأساء والضراء وزلزلوا} فالبأساء الفقر والضراء السقم وزلزلوا بالفتن وأذى الناس إياهم ) ). أهـ [4]
ومما يدل أيضا على أن البلاء دليل على صحة السير في طريق الدعاة إلى ربهم ما قاله الأستاذ سيد قطب في الظلال تفسيرا لقوله تعالى {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} يقول: (( وهكذا يتكشف أن الابتلاء من الله نعمة لا يصيب إلا من يريد له الله به الخير فإذا أصابت أولياءه فإنما تصيبهم لخير يريده الله لهم ولو وقع الابتلاء مترتبا على تصرفات هؤلاء الأولياء فهناك الحكمة المغيبة والتدبير اللطيف وفضل الله على أوليائه المؤمنين ...."و"ليس من مقتضى إلوهيته سبحانه وليس من فعل سننه أن يدع الصف المسلم مختلطا غير مميز يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان ومظهر الإسلام بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان ومن روح الإسلام، وكل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر ومن ثم كان شأن الله سبحانه أن يميز الخبيث من الطيب ) ).اهـ [5]
وحيثما ظهر للقاصي والداني والجاهل والعالم وكل ذي لب أنه لا طريق ولا سبيل لنصرة دين الله ورضوانه إلا هذا الطريق الوعر، طريق الجهاد والابتلاء لأنها سنة الله في أنبيائه وتابعيهم، ونحن نرى الجبناء الذين قننوا وتفننوا في أساليب وسبل صاغوها في قوالب شرعية حتى تكون مستساغة لدى العامة و الجهال حتى يبرروا جبنهم وتخاذلهم ويذكرنا ذلك بقول الشاعر الذي يفضح دواخلهم فيقول:
يرى الجبناء أن الجبن عقل وتلك خديعة الطبع اللئيم
فقاموا يصفون أهل الحق _ الذين يواجهون الجاهلية بكل عددها وعدتها _ مرة بالمتهورين ومرة بالمبتدعة وأخرى بالإرهابيين وآثروا أن يعيشوا في أحضان الطواغيت وتبعيتهم على أن يقفوا في الصف مع أهل الإيمان الذين قاموا وهاجروا لله وجاهدوا في الله وتركوا كل متاع الدنيا إرضاء لربهم، وفضّل أولئك القعود خلف أقلامهم المسمومة وأبواقهم الكاذبة، وآثروا الذل والهوان, حتى أن بعضهم أجاب عندما سأله بعض الشباب المجاهد: لماذا لا تقومون بواجب الجهاد في سبيل الله والكل يرى حرمات الله كلها قد انتهكت بدلا من مسالك ومتاهات الديمقراطية؟، فأجابه: الديمقراطية .... أم عشرون سنة قتال أفضل!!!.
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أعز منه الحمام
لا بل العمر كله جهاد ولا مقارنة بينه وبين الديمقراطية فقد علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطريق حتى في أشد وأحلك الظروف ضعفًا للمسلمين فقد ذكر ابن هشام:
(( لما اجتمع رؤساء قريش بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا له: إنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على العرب مثلما أدخلت على قومك، إذ شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة فما بقى أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ) ).اهـ [6]
(1) رواه الترمذي في سننه- برقم 2320
(2) صحيح البخاري - (5213)
(3) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
(4) جامع البيان للطبري في تفسير هذه الآية.
(5) في ظلال القرآن - آل عمران 179
(6) تهذيب سيرة بن هشام ص 66,65 طبعة مؤسسة الرسالة.