هو المتمثل في القوانين الوضعية المفروضة على الناس قسرا من قبل حكامهم، هذه القوانين التي تصادم أحكام الإسلام في الأصول والفروع، وقد صورها الشيخ أحمد شاكر الله أبين تصوير حيث قال عنها:
"فانظروا أيها المسلمون، في جميع البلاد الإسلامية أو البلاد التي تنتسب للإسلام في أقطار الأرض إلى ما صنع بكم أعداؤكم المبشرون والمستعمرون، إذ ضربوا على المسلمين قوانين ضالة مدمرة للأخلاق والآداب والأديان قوانين إفرنجية وثنية، لم تُبْن على شريعة ولا دين، بل بنيت على قواعد وضعها رجل كافر وثني أبى أن يؤمن برسول عصره عيسى عليه السلام وأصرّ على وثنيته، إلى ما كان من فسقه وفجوره وتهتكه! ... إلى أن قال: هذه القوانين التي فرضها على المسلمين أعداء الإسلام السافر هي في حقيقتها دين آخر جعلوه دينا للمسلمين بدلا من دينهم النقي السامي، لأنهم أوجبوا عليهم طاعتها، وغرسوا في قلوبهم حبها وتقديسها والعصبية لها، حتى لقد تجري على الألسنة والأقلام كثير من كلمات تقديس القانون وقدسية القضاء مثل: حرم المحكمة، وأمثال ذلك من الكلمات التي يأبون أن توصف بها الشريعة الإسلامية وآراء الفقهاء الإسلاميين، بل هم حينئذ يصفونها (أي الشريعة الإسلامية) بكلمات الرجعية والجمود والكهنوت وشريعة الغاب، إلى أمثال ما ترى من المنكرات في الصحف والمجلات والكتب العصرية، التي يكتبها أتباع أولئك الوثنيين! ثم صاروا يطلقون على هذه القوانين (التي شرعها البشر من دون الله) ودراساتها كلمة الفقه والفقيه والتشريع والمشرّع وما إلى ذلك من الكلمات التي يطلقها علماء الإسلام على الشريعة وعلمائها، وينحدرون فيتجرءون على الموازنة بين دين الإسلام وشريعته وبين دينهم المفترى الجديد إلى أن قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وصار هذا الدين الجديد هو القواعد الأساسية التي يتحاكم إليها المسلمون في أكثر بلاد الإسلام ويحكمون بها، سواء منها ما وافق في بعض أحكامه شيئا من أحكام الشريعة وما خالفها، وكله باطل وخروج، لأن ما وافق الشريعة إنما وافقها مصادفة لا إتباعا لها، ولا طاعة لأمر الله وأمر رسوله، فالموافق والمخالف كلاهما مرتكس في حمئة الضلالة، يقود صاحبه إلى النار لا يجوز لمسلم أن يخضع له أو يرضى به". اهـ [1]
يقول ابن القيم في نونيته:
قد أقسم الله العظيم بنفسه قسما يبين حقيقة الإيمانِ
أن ليس يؤمن من يكون محكما غير الرسول الواضح البرهانِ
بل ليس يؤمن غير من قد حكم الوحيين حسب فذاك ذو إيمانِ
هذا وما ذلك المحكِّم مؤمنا إن كان ذا حرجٍ وضيق بطانِ
هذا وليس بمؤمنٍ حتى يسلم للذي يقضي به الوحيانِ [2]
(1) عمدة التفسير مختصر تفسير ابن كثير لأحمد شاكر، ج3/ 214 ـ 215.
(2) يشير إلى قوله تعالى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65) [النساء/65]