والنصوص في الباب كثيرة.
القسم الثالث: المشركون الذين ماتوا على الشرك الأكبر أو ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم وماتوا على الكفر، فإنهم لا يمرون على الصراط وإنما يحشرون إلى النار خالدين فيها أبد الآباد [1] وأعمالهم باطلة وإن كانت
(1) قال الحافظ ابن رجب في كتابه (التخويف من النار) ص: 239، 240 ما نصه: وأعلم أن الناس منقسمون إلى مؤمن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، ومشرك يعبد مع الله غيره، فأما المشركون فإنهم لا يمرون على الصراط، وإنما يقعون في النار قبل وضع الصراط.
ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه، فيتبع الشمس من يعبدها، ويتبع القمر من يعبد القمر، ويتبع الطواغيت من يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها» فذكر الحديث إلى أن قال: «ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزه» .
وفيهما أيضًا - أي في الصحيحين- عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا كان يوم القيامة آذن مؤذن لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبق غير من كان يعبد الله من بر وفاجر، وغير أهل الكتاب، فتدعي اليهود فيقال: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزيز ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم: ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضا، فيتساقطون في النار، ثم تدعي النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتهم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى جنهم كأنها سراب يحطم بعضها بعضا فيتساقطون في النار حتى إذا لم يبق إلا من كان يبعد الله من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين» فذكر الحديث إلى أن قال: فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقا واحدا، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رءوسهم وقد تحول من صورته التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا؟ ثم يضرب الجسر على جهنم وذكر الحديث. وعند البخاري في رواية: «ثم يؤتي بجهنم تعرض كأنها السراب، فيقال لليهود: ما كنتم تعبدون وذكر الباقي بمعناه» .
فهذا الحديث صريح في أن كل من أظهر عبادة شيء سوى الله كالمسيح وعزير من أهل الكتاب، فإنه يلحق بالمشركين في الوقوع في النار قبل نصب الصراط، إلا أن عباد الأصنام والشمس والقمر وغير ذلك من المشركين تتبع كل فرقة منهم ما كانت تعبد في الدنيا، فترد النار مع معبودها أولا، وقد دل القرآن على هذا المعنى في قوله تعالى في شأن فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ} [هود:98] وأما من عبد المسيح والعزيز من أهل الكتاب فإنهم يتخلفون مع أهل الملل المنتسبة إلى الأنبياء ثم يردون النار بعد ذلك، انتهى كلام ابن رجب رحمه الله.
وبهذا القول يقول سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز حفظه الله، بأن الكفار يحشرون إلى النار ولا يمرون على الصراط، وإنما يمر على الصراط [المؤمنون والعصاة] .